الذي تبين خطؤه مقيدة بأن تكون في غير المسائل التي يكون مدار العمل فيها على الاجتهاد. أما ما كان مدار العمل فيها مبنياً على الاجتهاد فإن الإنسان يكفي منه ما قام به من اجتهاد، ويجزئه العمل حتى لو ظهر خطأ ظنه، كما إذا اشتبهت عليه القبلة، فاجتهد في تحديدها، ثم تبين أنه مخطئ، فإن الصلاة صحيحة.
المثال الثالث : من القواعد الفقهية قاعدة (إذا تعارض المانع والمقتضِي يقدَّم المانع) وقد ذكرها بعض العلماء (٧٩)، ومعناها: أنه إذا وُجِد في المسألة سبب يستلزم عملاً معيناً، وسبب آخر يمنع من هذا العمل، فإنه يرجح السبب المانع (٨٠)، ومن المسائل التي يمكن النظر في التحاقها بالقاعدة المسألة الآتية:
لو استشهد شخص جنب، فإن الشهادة مانعة من تغسيله كما ثبت في السنة، ولكن الجنابة تقتضي تغسيله، فاجتمع في المسألة مانع ومقتضٍ، ولذلك اختلف فيها بعض أئمة الحنفية؛ فصاحبا أبي حنيفة يريان أن هذا الشخص لا يغسل، وتكون المسألة على رأيهما من المسائل الداخلة في القاعدة، وأبو حنيفة يرى أن هذا الشخص يغسل، فتكون المسألة بالنسبة له من مستثنيات هذه القاعدة، وخارجة عنها. وقد ذكر ذلك ابن نجيم (٨١)، كما ذكره ناظر زاده بزيادة فيه، حيث قال عن هذه القاعدة: "وخرجت عن هذه القاعدة: لو استشهد الجنب فإنه يغسل عند الإمام، ومقتضاها ألا يغسل كقولهما؛ لأن الجنابة تقتضي الغسل، والشهادة تمنع، فاللازم أن يقدم المانع.
والجواب: أن ترك الغسل ثبت بقوله عليه السلام: (زملوهم بكلومهم ودمائهم) (٨٢) على خلاف القياس، فينحصر على مورده" (٨٣).
فنلحظ من هذا النص أن من اعتبر المسألة السابقة مستثناة من القاعدة نظر إلى أن مناط القاعدة لم يتحقق فيها، بمعنى أنه يظهر للناظر في المسألة أن هناك تعارضاً بين مانع ومقتضٍ؛ وعند التحقيق يتبين أن المانع