هذا الاستنساخ، بل لا بد أن يتأمل واقع العلم نفسه. والمتأمل لكتب القواعد الفقهية وما فيها من مستثنيات يرى أن هناك مسائل غير قليلة يعدها العلماء على أنها مستثنيات من القاعدة، وعند التدقيق فيها يرى أنها لم تدخل في القاعدة دخولاً حقيقياً، ولكنها داخلة فيها بالنظر إلى شبهها بالقاعدة في الصورة فقط، ومن هنا جاء التعبير في تعريف الاستثناء بعبارة (يظهر دخولها في القاعدة) ليشمل حالتي الدخول المتقدمتين.
ولكن يتبادر للذهن سؤال، وهو: أنه ما دام أن مسائل هذا النوع لم تدخل في القاعدة دخولاً حقيقياً، فما السبب الداعي لبعض العلماء لِعَدِّ هذه المسائل على أنها من مستثنيات القاعدة؟
السبب فيما يظهر: أن هذا من باب الاحتياط لما قد يحدث من خطأ في تخريج أحكام بعض المسائل على القواعد، وذلك أن بعض طلاب العلم ربما نظر إلى هذا الشبه الصوري بين المسألة والقاعدة، ومن ثمَّ ألحق المسألة بالقاعدة التي تشبهها، وأعطاها نفس حكم القاعدة، وهذا الصنيع خطأ، فمن باب الاحتياط لمنع مثل هذا الخطأ رأى بعض العلماء أن ينبهوا على أن هذه المسائل مستثناة من القاعدة، فلا يصح أن تعطى حكم القاعدة، وإن كانوا يعلمون أن هذه المسائل لم تدخل في القاعدة دخولاً حقيقياً.
ولكن يستنبط مما قاله جمعٌ من العلماء عن بعض المسائل أنهم لا يرون هذا المسلك، حيث نجد أنهم لا يُسلِّمون بعَدِّ هذه المسائل على أنها مستثناة من القاعدة، ولهم في ذلك وقفات عند بعض المسائل، وأُثِر عن بعضهم عبارات في هذا الشأن.
وأذكر فيما يأتي بعض الأمثلة على المستثنيات بناء على ما فيها من شبه صوري بالقاعدة وذلك عند من يرى من العلماء أن هذه المسائل مستثنيات من القاعدة، ثم أعقب على كل مثال برأي من يرى من العلماء أن هذه المسائل لا تعد مستثنيات من القاعدة .