المثال الأول : قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) ذكرها عدد من الحنفية بهذا اللفظ (٨٧)، وذكرها ابن نجيم بلفظ (الاعتبار للمعنى لا للألفاظ) (٨٨)، ومعناها: أن الإنسان لو قصد عقداً فعبر عنه بلفظ عقد آخر، فإن المعتبر في تحديد العقد الذي قصده، هو ما يظهر من معنى كلامه، لا ما يعطيه لفظه، وقد ذكر ابن نجيم أنه خَرَج عنها عدد من المسائل، ومما قاله في هذا الشأن :
"وخَرَجت عن هذا الأصل مسائل:
منها: لا تنعقد الهبة بالبيع بلا ثمن، ولا العارية بالإجارة بلا أجرة" (٨٩)
بمعنى أنه لو قال: بعتك هذا الشيء بلا ثمن. فإنه لا ينعقد بيعاً بناء على اللفظ، ولا ينعقد هبة بناء على أن هذا معنى كلامه، وبذلك اعتُبرت هذه المسألة خارجة عن القاعدة ومستثناة منها. وكذلك لو قال: آجرتك هذا الشيء بلا أجرة فإنه لا ينعقد إجارة بناء على اللفظ، ولا ينعقد إعارة بناء على أن هذا هو معنى الكلام، وبذلك اعتُبرت هذه المسألة خارجة عن القاعدة.
ففي الكلام السابق نلحظ أن ابن نجيم عَدَّ المسألتين السابقتين على أنهما من مستثنيات القاعدة، بناء على ما بينهما من شبه صوري، وتبعه على ذلك عدد من شراح المجلة (٩٠)، ولكن بعض العلماء لم يرتضِ عَدَّ هاتين المسألتين على أنهما من مستثنيات القاعدة، ومن هؤلاء العلماء الأتاسي، حيث قال:
"يقول العاجز (٩١): لو دققنا النظر نرى الفرعين غير داخلين في القاعدة حتى يستثنيا منها، نعم هو استثناء منقطع؛ وذلك لأن البيع لفظ شرعي وضع للمعاوضة، ولا يكون إلا بثمن، ولا يصح التجوز به عن الهبة؛ لأن شرط المجوِّز للتجوُّز أن يكون المعنى المشترك بين المتجوَّز والمتجوَّز عنه