ونظراً لعدم معقولية معناها لنا فإن بعض العلماء سماها تعبدية، وهي تعتمد في إثباتها على التوقيف عليها كما ذكر الإسنوي، أي تعتمد على نص من الكتاب أو السنة، وقد أشار القرافي(١٣٣) لذلك بقوله :
" المعاني الكلية قد يُستثنَى منها بعض أفرادها بالسمع" (١٣٤).
والأمثلة على هذا النوع متعددة منها ما يأتي :
المثال الأول : من القواعد الفقهية قاعدة (لا عبرة بالظن البين خطؤه) وقد سبق بيان معناها، وحاصله أن الظن الذي يظهر خطؤه لا عبرة بالحكم الذي بُنِي عليه، ومن الأمثلة التي يحتمل دخولها في هذه القاعدة : لو دفع الزكاة إلى من ظنه من أهلها، ثم تبين أنه ليس من أهلها، فإن الزكاة لا تجزئ تخريجاً على هذه القاعدة، ومن صور هذا المثال : لو دفع الزكاة إلى فقير يظنه أجنبياً، ثم تبين أنه ابنه، فإن مقتضى التخريج على هذه القاعدة أن يقال : إن الزكاة لا تجزئه ؛ لأنه بنى على ظن وقد تبين خطؤه، ولكن هذه المسألة مستثناة عند بعض العلماء ؛ حيث قالوا : إن الزكاة تجزئ (١٢٥)، وسبب استثنائها ورود النص الشرعي بذلك (١٣٦)، وهو ما ورد عن معن بن يزيد قال : (كان أبي يزيدُ أخرج دنانيرَ يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتُها فأتيته بها، فقال : والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن) (١٣٧).
المثال الثاني : من القواعد الفقهية قاعدة (ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً) وقد ذكرها عدد من العلماء (١٢٨)، ومعناها : أن العبادة يكثر فضلها وثوابها بحسب كثرة أفعالها، ومن ذلك : أن صلاة الإنسان الصحيح النافلة قاعداً على النصف من صلاته إياها قائماً، فصلاة الإنسان قائماً أكثر ثواباً من صلاته قاعداً بسبب كثرة أفعال القائم بالنسبة للقاعد. وهذه القاعدة يستثنى منها مسائل متعددة، بحيث يكون الشيء فيها أقل فعلاً ومع ذلك يكون أكثر فضلاً ؛ منها : الجمع بين المضمضة