واستثناء هذه المسألة من تلك القاعدة غير معقول المعنى عند بعض العلماء، ومنهم إمام الحرمين الجويني (١٤٨).
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن المستثنيات في هذا النوع لابد لها من نص شرعي يدل عليها كما سبق ذكر ذلك، وكما اتضح من خلال الأمثلة المتقدمة، ولكن هل معنى ذلك : أن كل ما استند في استثنائه إلى نص شرعي يكون من هذا النوع، بمعنى أنه يقال : إنه ليس معقول المعنى، بل ثبت تعبداً ؟
هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، وقد ذكر ابن السبكي أن إمام الحرمين الجويني يرى أن ما ثبت استثناؤه بنص شرعي لا يكون معقول المعنى . وأما الجمهور فيرون أن المستثنى بنص يجوز أن يعقل له معنى، وأن لا يعقل له معنى (١٤٩). ثم أورد بعض المحاولات للجواب عما أبداه إمام الحرمين من أمثلة في هذا المقام، ولكنه صرح في آخر الأمر بميله لرأي إمام الحرمين، حيث قال :
"والذي نقول أخيراً أن الحق في جانب إمام الحرمين " (١٥٠).
والأقرب للصواب فيما يظهر هو رأي الجمهور ؛ لعدة أمور :
الأول : أن المتأمل لكلام إمام الحرمين وابن السبكي يرى أن سبب رأيهما هو : أن القول بتعليل الأحكام المستثناة بالنص يترتب عليه نقض علة الأصل المستثنى منه، كما أنه يلزم من القول بالتعليلِ تعديةُ حكم المسألة المستثناة إلى مسائل أخرى توجد فيها نفس علة المسألة المستثناة، والتعدية لا يقال بها . وهذا السبب محل نظر ؛ لأن الصواب أن ما ثبت استثناؤه بنص شرعي لا يَنقُض علةَ الأصل المستثنى منه كما ذكر إمام الحرمين وغيره، وأما مسألة التعدية فهي مسألة أخرى محل نظر وتأمل ؛ فإن من العلماء من قال بتعدية الأحكام التي ثبت استثناؤها بالنص، وليس المقام مقام بحث هذه المسألة .