الثاني : أن أحكام الشريعة النصية الأصلية والاستثنائية الشأن فيها رعاية مصالح العباد، كما قال القرافي:
"لصاحب الشرع أن يضع في شرعه ما شاء، ويستثني من قواعده ما شاء، هو أعلم بمصالح عباده" (١٥١). وإذا كانت الأحكام الاستثنائية يقصد بها على الجملة المصلحة، فرعاية المصلحة تعتبر علة، لكنها تلتمس في كل مسألة بحسبها.
الثالث : أن الأصل في أحكام الشريعة أن تكون معللة، ولكن هذه العلة قد تظهر لعالم، وتخفى على آخر، وخفاؤها على الآخر لا يمنع أن تكون معللة عند الأول، وقد أشار ابن القيم (١٥٢) لذلك بقوله:
"ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله، ويخفى على من خفي عليه" (١٥٣).
وهذا النوع من المستثنيات يُعتمد في إثباته على النص الشرعي كما تقدم، وقد ألحق به بعض العلماء ما ثبت استثناؤه في المذهب بنصوص علماء المذهب، وقد ألمح لذلك بعض العلماء، فمن ذلك أن المستثنيات من قاعدة (ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً) الأصل فيها أن تكون تعبدية لتعلقها بالثواب، والتعبدي إنما يثبت بالنص الشرعي، وقد قال الغزي في شرحه لنظم والده بشأن المستثنيات من هذه القاعدة:
"(وينبغي عدك) من قبيل ما قل عملاً وكثر ثواباً (كل موضع قد جاء فيه النص) أي نص الكتاب والسنة، أو نص العلماء القائمين بمذهب الشافعي (بالفعل الأقل)" (١٥٤). فألحق ما ثبت بنص العلماء بما ثبت بالنص الشرعي.
كما ألمح إليه الأتاسي، حيث كان يتكلم عن مسألة استثناها بعض العلماء في مذهبه، فقال:
"سلمنا أن هذا منقول، ولا يسع الفكر فيه إلا التسليم" (١٥٥).