" اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة أو مفسدة تربى (١٧٥) على تلك المصالح. وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين أو في أحدهما تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربى على تلك المفاسد. وكل ذلك رحمة بعباده، ونظر لهم ورفق، ويُعَبَّرُ عن ذلك كله بما خالف القياس (١٧٦).
الوجه الثالث : أن الأمثلة التي مثل بها الأصوليون للنوع المقصود لنا في هذا المبحث هي أمثلة للمستثنيات من القواعد أو الضوابط الفقهية، كالتمثيل باستثناء المصراة من قاعدة ضمان المثلي بمثله، والتمثيل باستثناء تحمل العاقلة من قاعدة مسؤولية كل شخص عن فعل نفسه، والتمثيل باستثناء العرايا من ضابط تحريم بيع الجنس الربوي بجنسه في حال عدم التماثل.
وقد بحث الأصوليون موضوع (القياس على ما عُدل به عن سَنَن القياس) وذكر له بعضهم أقساماً أو أنواعاً، وذكروا لكل قسم منه حكمه الخاص به، والذي يهمنا من تلك الأقسام في هذا المبحث ما يقابل أنواع المستثنيات من القواعد الفقهية التي تقدم ذكرها في المبحث الثالث، من أجل أن نعرف منها حكم القياس على المستثنيات من القواعد.
وقبل ذكر أنواع المستثنيات من القواعد، وبيان حكمها من جهة جواز القياس عليها وعدمه، أرى أن من المناسب تقديم مدخل لحكم القياس على ما عُدِل به عن سنن القياس، فأقول: المعدول به عن سنن القياس، أو المستثنى من قاعدة القياس، عند النظر إلى ظهور قصد التخصيص فيه وعدمه نجد أنه ينقسم إلى قسمين: