الرصيد العظيم في الحق في فطرة الناس
قعد الغلام إلى الراهب أثناء ذهابه لتعلم السحر، فسمع كلامه فأعجبه، ونرى هنا أن الغلام قد تلقى تربية مزدوجة، وتعليمًا متناقضًا، يسمع كلام الساحر ويسمع كلام الراهب، الساحر يعلمه أن الملك هو ربه، والراهب يعلمه أن الله ﷿ لا شريك له هو ربه ورب العالين، الساحر يعلمه كيف يضر الناس، وكيف يفرق بينهم، وكيف يلعب بمشاعرهم وعواطفهم ليقلب قلوبهم بزعمه، والراهب يعلمه كيف يحب الخير للناس، وكيف ينصح لهم، وكيف يتمنى هدايتهم، ومع أن الرصيد المادي للساحر أو للملك، والفرصة مهيأة للوظيفة المرموقة لذلك الغلام في شخص الساحر إلا أنه أعجبه كلام الراهب، لذلك نقول: لا تيئسوا عباد الله! هناك رصيد هائل وراء دعوة الحق، هذا الرصيد هو أن الله خلق عباده حنفاء يميلون إلى الله ﷿، كما قال ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، فرغم كل العقبات، ورغم الترغيب والترهيب، فإن الغلام كان يرغب في وظيفة مرموقة -كما ذكرنا- ربما كانت الثانية بعد الملك مباشرة، الملك يحتاجه، ويعاقب بأنواع الضرب والتعذيب والإهانة عند الساحر إذا تأخر، ومع ذلك أعجبه كلام الراهب، أعجبه الحق فمال إليه؛ لأن (كل مولود يولد على الفطرة)، كما قال النبي ﵊.
فهذا الرصيد هو الذي يجعل قلوب الخلق تنجذب بقوة هائلة إلى الحق إذا سمعته، ولو كان من فرد واحد والباطل أمة بأسرها، كيف لا وقد أخذ الله على كل منا ميثاقًا ونحن في عالم الذر؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، يظهر أثر هذا الميثاق في أمر الفطرة، وفي ميل كل إنسان إلى دعوة الحق.
ولا تصح مقولة من يقول: إن ما يبنيه الدعاة في سنة، يهدمه أهل الباطل في ساعة؛ لما عندهم من وسائل هائلة، فهذا قول الميئسين، قول الذين لا يفهمون حقيقة دعوة الحق، ولا طريقة الرسل، يريدون بذلك أن ييئسوا الناس من التربية، ويقولون: لا علاج إلا المواجهة المباشرة! ونقول: إن المواجهة لابد فيها من تربية، وإن المواجهة الحقيقية هي المواجهة بين المناهج حتى يظهر الحق بإذن الله ﵎، فيزعم هؤلاء -الذين يقولون: إن الباطل يهدم في ساعة ما يبنيه الحق في سنة- أنه لابد أن يأتي التغيير في سائر المجتمع، وليس كذلك، فإن دعوة الأنبياء جميعًا لم تغير المجتمع دفعة واحدة، إنما بدأت بدعوتهم، وغالب الأمر أنه ما يستجيب لها إلا الضعفاء، كما عرف هرقل ذلك عندما سأل أبا سفيان عن أتباع الرسول ﷺ فقال: إن الضعفاء هم أتباعه، فقال: وهم أتباع الرسل، ودائمًا كان تغيير الرسل هو ببناء الإيمان في القلوب، وإيجاد الشخصية المسلمة المتكاملة، ثم وجود الطائفة المؤمنة التي ينصر الله ﷿ بها دينه بما شاء بالقرآن أو السنان، فقد نصر الله ﷿ رسلًا من رسله بالقرآن والدعوة والبيان، ونصر رسلًا من رسله بالقوة والسنان.
لذلك نقول: إن هذه المقالة: إن ما يبنيه أهل الحق في سنة، يهدمه أهل الباطل في ساعة، مقولة باطلة بلا شك؛ لأن ما يبنيه أهل الباطل في ساعات إنما هو بناء هش، لا حقيقة له، وإن الحق لا يهدم في نفوس المؤمنين الصادقين، ولو ظل أهل الباطل يسعون لهدمه مدة الدنيا بأسرها، فلرب غلام ممن يتعلم في حجور العلماء، ويجلس بين أيدي أهل العلم، وهو اليوم غلام صغير لا يدرك كثيرًا من الكلام؛ يكون غدًا به نجاة الأمة وإنقاذها من الهلاك، بل ذلك هو الحاصل بلا ريب إن شاء الله، فكيد الشيطان ضعيف كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦].
6 / 9