Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

دار البحوث والدراسات الإسلامية وإحياء التراث

سلسلة الدراسات الفقهية

١٠

القواعد الفقهية

من خلال كتاب الإشراف

للقاضي عبد الوهاب البغدادي

بقلم

د. محمد الروقي

1

القواعد الفقهية

من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف

للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

2

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

(١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م)

دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث

الإمارات العربية المتحدة - دبي، هاتف: ٣٤٥٦٨٠٨، فاكس: ٣٤٥٣٢٩٩، ص.ب: ٢٥١٧١

الموقع www.bhothdxb.org.ae البريد الإلكتروني irhdubai@bhothdxb.org.ae

3

سلسلة

الدراسات

الفقهية

(١٠)

القواعد الفقهية

من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف

للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

تأليف

الدكتور محمد الروكي

أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله

بجامعة محمد الخامس

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

الرباط - المغرب

4

بسم الله الرحمن الرحيم

أصل هذا الكتاب رسالة جامعية نوقشت في ١٠ أبريل

١٩٨٩م. ونال بها المؤلف درجة دبلوم الدراسات العليا في

الدراسات الإسلامية (الماجستير) بتقدير: حسن جداً. من

جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط -

المغرب.

5

افتتاحية

نستفتح بالذي هو خير، حمداً لله، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى وبعد :

فيسعد دار البحوث للدراسات الإِسلامية وإِحياء التراث - وهي تسعى في سبيل إِنجاز مهامها، وتحقيق ما تقتضيه غاياتها - أن تجمع أهل الاختصاص والنظر من سائر التخصصات والفنون، في مؤتمر علمي جامع عن "القاضي عبد الوهاب البغدادي - شيخ المالكية بمدرسة العراق" وذلك في الفترة من (١٣-١٩) محرم ١٤٢٤ هـ، الموافق (١٦-٢٢) مارس ٢٠٠٣م.

ولا يخفى على القارئ الكريم تلك المكانة الرفيعة التي نالها القاضي عبد الوهاب البغدادي في مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى، مما شكل دافعاً كبيراً من بين دوافع تصحيح العزم لعقد هذا المؤتمر العلمي الأول للدار.

كيف، وقد تواردت النقول عن مكانته وتواترت، ومن بينها ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني، وهو يعبر عن إِعجابه بحذاقة أبي عمران الفاسي: ((لو اجتمعت في مدرستي أنت وعبد الوهاب لاجتمع علم مالك، أنت تحفظه، وهو ينصره)). بل لقد تخطت الإِشادة به حدود المذهب المالكي وأعلامه إِلى خارج مذهبه، فهذا ابن حزم يقول: ((لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد القاضي عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي)). ويكفي ما أثبته صاحب معالم الإِيمان إِذ قال: ((لولا الشيخان، والمحمدان، والقاضيان، لذهب المذهب المالكي)) ... ويريد بالقاضيين ابن القصار وعبد الوهاب.

5

وقد ناهز عدد تأليفه أربعة وعشرين مصنفاً، وتنوعت في فنونها ومجالاتها، وفيها يقول القاضي عياض: «ألف القاضي عبد الوهاب البغدادي في المذهب والخلاف والأصول تآليف بديعة مفيدة».

والناظر في تنوعها يدرك سعة مدارك القاضي، إذ قد جال بفكره فيها أصولاً، وفقهاً، وعقائد، وعلم نظائر وخلاف، وقواعد كلية، وغيرها من الفنون.

وقد نالت كتبه شهرة في المذهب المالكي وأعلامه شرقاً وغرباً، وهو بهذا يعد الحلقة الواصلة والجذع الرابط بين أصول المذهب وفروعه، ولا أدل على ذلك من شرحه لرسالة ابن أبي زيد القيرواني التي تعد من مصنفات المدرسة القيروانية.

وقد رأت الدار واللجان التنظيمية في هذا المؤتمر فرصة لإخراج أعمال علمية لها وثيق الصلة بـ «القاضي عبد الوهاب البغدادي ومدرسته البغدادية» على أنها قد سارت فيها سيرها في سائر مطبوعاتها، تقويماً وتحكيماً وتصحيحاً، والكتب هي:

* القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف للقاضي عبد الوهاب، للدكتور محمد الروكي، وهو كتابنا هذا.

* المدرسة البغدادية للمذهب المالكي، للدكتور محمد العلمي.

* شرح القاضي عبد الوهاب البغدادي لمقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني في العقيدة، تحقيق ودراسة للأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف. وقد قابل

6

أصله على المحقق ووثق نصوصه مساعد باحث محمد عبد العزيز المهدي.

  • رسالتان في بيان الأحكام الخمسة التي تعتري أفعال المكلفين للقاضي عبد الوهاب البغدادي، دراسة وتحقيق الدكتور إِدريس الفاسي.

  • القواعد الأصولية عند القاضي عبد الوهاب من خلال كتابه الإِشراف على مسائل الخلاف، للدكتور محمد بن المدني الشنتوف.

  • القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في آثار القدماء والمُحْدَثِين - دراسة وثائقية، جمع وتحقيق ودراسة الدكتور عبد الحكيم الأنيس.

  • كتاب الفروق للقاضي عبد الوهاب، تحقيق الأستاذ جلال علي القذافي.

  • كتاب الفروق الفقهية للقاضي عبد الوهاب البغدادي وعلاقته بفروق الدمشقي، تحقيق الأستاذ محمود سلامة الغرياني.

  • أصول الفقه عند القاضي عبد الوهاب البغدادي جمعاً وتوثيقاً ودراسة، للدكتور عبد المحسن بن محمد الريس.

وهذا التقديم مقرون بالشكر والعرفان لأسرة آل مكتوم حفظها الله تعالى، التي ترعى العلم، وتشيد نهضته، وتحيي تراثه، وتؤازر قضايا العروبة والإِسلام، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الذي أنشأ هذه الدار لتكون منار خير، ومنبر حق على درب العلم والمعرفة، تجدد ما اندثر من تراث هذه الأمة، وتبرز محاسن الإِسلام فيما سطره

7

الأوائل، وفيما يمتد من ثماره مما تجود به القرائح، في شتى مجالات البحوث الإسلامية والدراسات الجادة التي تعالج قضايا العصر، وتؤصل أسس المعرفة، على مفاهيم الإسلام السمحة؛ عقيدة، وشريعة، وآداباً، وأخلاقاً، ومناهج حياة، مستلهمة الأدب القرآني في الدعوة إلى الله على بصيرة ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .

وكذلك مؤازرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة، راعي هذا المؤتمر العلمي الأول للدار، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع.

سائلين الله العون والسداد، والهداية والتوفيق، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن يعين على السير في هذا الدرب، وأن يتواصل هذا العطاء من حسن إلى حسن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

دار البحوث

8

المقدمة

الحمد لله كما يحب ويرضى، وله الشكر والثناء الحسن الجميل كما ينبغي لجلاله العظيم، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، الذي أرسله رحمة لهذه الأمة، ليعلمها الخير، ويفقهها في دينها الذي فيه سعادتها وبه ينصلح أمرها للدنيا والآخرة، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المجاهدين، الذين ورثوا العلم الرباني والهدي النبوي، وورَّثوه لمن بعدهم حتى تأصلت أصوله في الدنيا، وتقعدت قواعده في الآفاق.

وبعد: فإن الفقه من أشرف العلوم الشرعية، بل هو غايتها ومنتهاها؛ لأن هذه العلوم - أصولها وفروعها - لم تنشأ بين العلماء، وتترعرع، وتنضج في عقولهم، وعلى ألسنتهم وأقلامهم، إلا بدافع واحد، ولقصد واحد، هو فهم النص الشرعي وفقهه واستنباط الأحكام الشرعية منه لتسليطها على مستجدات الحياة، وهذا هو عين ما يبحث فيه الفقه ويهتم به.

إن العلوم الشرعية مترابطة ومتكاملة مع بعضها البعض، وهي تُكوّن بمجموعها بناءً علمياً معرفياً متراصاً يتجه نحو وجهة واحدة هي فقه الشريعة وفقه نصوصها فقهاً يمكّن الفقهاء من إخضاع كل قضايا الحياة ونوازلها وأحداثها لدين الله، وحل مشاكل الإنسان الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية وغيرها حلاً يقوم على أساس شرع الله ومنهجه القويم.

وإن ضمان استمرار استيعاب الشريعة الإسلامية لقضايا الحياة وتطوراتها ومستجداتها الكبرى والمعقدة، رهين باستمرار الحركة الفقهية

9

وبقائها حية نابضة. وبمقدار ما تنشط هذه الحركة وتواصل سيرها، وتمارس وظائفها، تنضبط الحياة، ويستقيم أمرها عند الناس.

ومن هنا نستطيع أن نقرر - بكل اطمئنان - أن الفقه الإسلامي هو الميزان الذي توزن به الأمة الإسلامية من حيث تقدمها أو تأخرها. فبازدهاره واتساع آفاقه، تزدهر هذه الأمة وتستنير، وبجموده وموته تجمد الأمة، ويصيبها الشلل.

ولم ينشأ هذا الفقه دفعة واحدة، بل مر بمراحل وفترات كانت مليئة بالأحداث والوقائع التي منها كان يستقي غذاءه وحياته، إلى أن اكتمل واستوى ناضجاً في عصر التدوين.

ولم يقف به الفقهاء عند هذا الحد، بل اشتد اهتمامهم به - بدافع الحاجة الناجمة عن كثرة المسائل والفروع - وطال احتكاكهم بمباحثه ومسائله، حتى قعَّدوه وضبطوا شتاته بالكليات والأصول.

والحق أن هذا العمل العلمي الكبير، ذلل الكثير من الصعوبات التي قد تقف في طريق البحث الفقهي. وأبرز هذه الصعوبات: كثرة المسائل والفروع الفقهية، بحيث يضيق على الفقيه ضبطها وحصرها. فلما أسسوا هذه القواعد، سهل الأمل ويسر على الفقيه، لانضباط هذه الكثرة الكاثرة في الفروع والجزئيات، واندراج كل مجموعة منها متجانسة أو متشابهة في قاعدتها التي تستوعبها وتنطبق عليها.

وهكذا كانت القواعد الفقهية أسلوباً علمياً رائعاً لجمع شتات الفقه ومسائله المبثوثة في أبوابه وفصوله. وقد أكد الفقهاء عليها، واعتبروا الذي

10

لا يعتني بتحصيلها مفرّطاً في الفقه غير ضابط له، مغلوباً على أمره به. بل قد جعلها القرافي موازية لأصول الفقه، وأنهما معاً - أصول الفقه والقواعد الفقهية - يمثلان أصلين كبيرين من أصول الشريعة.

ولست مبالغًا إذا قلت: إن القواعد الفقهية تمثل قمة الفقه الإسلامي وزبدته وعصارته، وفي صياغة هذه القواعد وعرضها وتحليلها تظهر العقلية الفقهية الإسلامية الواسعة العميقة، وتبرز طاقتها الفلسفية التنظيرية، وقدرتها على التجميع والتأصيل.

ولهذه الأهمية القصوى للقواعد الفقهية، سلبني موضوعها وأخذ بمجامعي؛ فاخترت البحث فيه، والفضل في تثبيت هذا الاختيار وتوجيهه، وحثي على الاستمرار عليه، يرجع إلى فضيلة الدكتور فاروق حمادة، الذي كان قد نبهني إلى أهمية مجلة الأحكام العدلية، من جهة ما اشتملت عليه في صدرها من القواعد الفقهية، وأن هذه القواعد تحتاج إلى دراسة علمية تنظيرية، على ضوء أصولها من القرآن والسنة.

والحق أنني تهيبت الموضوع في بداية الأمر؛ لأنني وجدتني سأبدأ البحث في الفقه الإسلامي من رأسه وقمته، إذ البحث في قواعد العلم، بحث في عصارته ومنتهاه.

وبقدر ما كنت أتهيب الموضوع واستصعبه، كان الأستاذ ييسره، ويزيدني بحثه وتيسيره كشفاً عن آفاته ومراميه، حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً، فصح عزمي على البحث في موضوع القواعد الفقهية. لكنني لم أنصرف إلى مجلة الأحكام العدلية، ولا إلى موضوع القواعد من جانبه التجريدي، بل آثرت أن يكون في إطار دراسة تطبيقية.

11

وكنت قبل ذلك قد تعاملت مع كتاب ((الإشراف على مسائل الخلاف)) للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، المتوفى سنة (٤٢٢هـ)، فوجدته يستوعب مادة وافرة للقواعد الفقهية، يقف الباحث فيها على عظمة الفقه وفلسفته، فقرَّ في نفسي أن أقوم باستخراج واستنباط ما في هذا الكتاب من القواعد الفقهية الكلية، ثم تصنيف هذه القواعد حسب موضوعاتها وأحجامها، ومعرفة أصولها النقلية والعقلية، ثم دراستها وتحليلها في ضوء منهج علمي نقدي.

وقد جاء هذا الكتاب موزعاً على ثلاثة أبواب(١):

خصصت الأول منها للحديث عن القاضي عبد الوهاب وكتابه ((الإِشراف)).

وخصصت الثاني لبسط الجانب النظري للقواعد الفقهية، وبيان مكانتها في الفقه الإسلامي.

بينما خصصت الثالث - وهو أطولها - لاستنباط القواعد الفقهية - المالكية - من كتاب ((الإشراف))، ثم تصنيفها ودراستها على ضوء منهج تقويمي، يتناول النقول والنصوص الفقهية بالتقويم، دون الوقوف موقف الجمود والتهيب الذي لا معنى له.

وقد قمت في هذا الباب، باستنباط ما يقرب من مائة قاعدة فقهية كلية من كتاب ((الإشراف))، فضلاً عن قواعد أخرى جزئية يمتلئ بها الكتاب. وهذا إلى جانب ما وجدته فيه، من القواعد الأصولية التي تحتاج هي الأخرى إلى بحث مستقل.

(١) انظر: تفصيل ذلك في الفهرس.

12

إن اختمار هذا الموضوع واستقراره في عقلي، قد كون عندي قناعة وإيماناً جازماً، بضرورة وضع مشروع عُمُرِي، لدراسة القواعد الفقهية على المستويين النظري والتطبيقي. وأكثر من ذلك أنه مشروع يتوقف على جهود جماعية، تلتقي فيها الآراء ووجهات النظر، للسير بالفقه الإسلامي، نحو حركة تقعيدية شاملة، تمكن الفقهاء المعاصرين من وضع أسسه وقواعده ونظرياته العامة.

إن التراث الفقهي الإسلامي زاخرٌ بآراء الفقهاء، واجتهاداتهم وفتاواهم واستنباطاتهم، التي كانت تختلف حسب الزمان والمكان والإنسان، وفي ثنايا هذه الثروة الفقهية الاجتهادية التنظيرية، نعثر على مئات القواعد والكليات الفقهية الناضجة، التي جاءت على ألسنة الفقهاء وأقلامهم، نتيجة ممارستهم للعملية الفقهية، ومواجهتهم لما كان يعرض عليهم، من القضايا والنوازل الحياتية المتعددة والمتنوعة فضلاً عن كتبهم ومصنفاتهم التي أفردوها للقواعد الفقهية خاصة، كما هو الشأن بالنسبة لكتب الأشباه والنظائر، وكتب الفروق، وكتب القواعد، وما هو في حيز ذلك من الكتب التي لقبت بألقاب أخرى.

وإن النهضة الفقهية اليوم، تتطلب العكوف على هذا التراث، على أساس استخلاص هذه القواعد والكليات منه؛ لأنها تمثل عصارته وثمرته. ثم دراستها دراسة نظرية وتطبيقية. ونحن حينما ندعو إلى هذا العمل العلمي، إنما ندعو إلى تطوير وتعميق منهج البحث الفقهي، والسير به نحو قمة التنظير والتقنين، حتى يستطيع استيعاب كل التطورات الحياتية، وصبغها بصبغة شرع الله.

13

وهذا العمل العلمي - الفقهي -، لا يقوم بإنجازه رجل واحد، ولا تكفي لتحقيقه مدة زمانية محددة، بمقدار ما ينجز فيها بحث علمي. بل هو عمل - أو هو مشروع كما سميته من قبل - يحتاج إلى عُمُر، ويتوقف على جهود جماعية مكثفة.

ولست بهذا أزعم أن يكون هذا الموضوع قَفْراً بالمرة من الاهتمام والبحث العلمي. بل أعلم أن هناك من الباحثين، من تناوله على وجه من الوجوه، وفي جزء من أجزائه. ولكن ذلك كله لا يعدو أن تكون جهوداً متفرقة، لا تجمعها وحدة المشروع، ولا ينظمها ويؤلف بينها بناءٌ واحد، ومنهج واحد. ثم هي لم تصدر من نفس البواعث العميقة التي أشرت إليها، ولا تهدف إلى المقاصد البعيدة، التي نبهت على أهميتها.

لذلك فالمشروع يحتاج إلى عمر مديد، وجهد جماعي كبير، على أساس أن يكون هذا المشروع الفقهي موحداً في تصوره ومنهجه، ورسم بنائه العام، ليكون كذلك في نتائجه وإنجازه.

وانطلاقاً من ذلك فإن بحثي هذا ليس إلا لبنةً من لبنات هذا المشروع، وخطوة من خطواته، آمل أن تنضم إليها لبنات وخطوات أخرى ليكتمل البناء. وهذا يتطلب مزيداً من الاهتمام بالتراث الفقهي الإسلامي، تحقيقاً وتوثيقاً من جهة، ودراسة وتحليلاً من جهة أخرى. وكل ذلك لا يتم إلاّ عن طريق الوعي بضرورة تنشيط الحركة الفقهية، وتوجيهها على ضوء معطيات العصر ومتطلباته؛ لتحيى حياتها الطبيعية، بعيدة عن التحجر والجمود، واجترار ما تقادم وبلي من النقول والفتاوى، فذلك ليس فقهاً؛ وإنما هو تاريخ فقه.

14

والله أسأل أن يجعل هذا الجهد القليل، والخطوة الأولى، موفقة مباركة، وأن يجعلها خادمة للإسلام والمسلمين. وحسبي من هذا البحث، أنه أثار في نفسي الشعور بضرورة هذا المشروع الواسع البعيد، وأنه وقفني على أرضه الفسيحة الخصبة، ورسم لي معالمه العامة، ويكفيني من نجاحه أن يجد آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، تستجيب لهذه الدعوة العلمية، فتصمم العزم على التجند والتجنيد، لهذا المشروع الفقهي الكبير.

ولا أدعي فيه مثلما قال شاعر المعرة:

وإني وإن كنت الآخر زمانهُ لآت بما لم تستطعه الأوائل

ولكنني أقول(١):

فإن أَكُ قد وفقت فيه فإنه من الله توفيقي ومنه النوائلُ

وإن أك قد أخطأت فيه فإنني أنا المخطئُ الجاني أنا المتطاول

***

(١) البيتان للمؤلف.

17

-

Unknown page

الباب الأول

وفيه فصلان:

الفصل الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي.

الفصل الثاني: كتاب الإشراف على مسائل الخلاف.

17

-

Unknown page

تمهيد

بين أيدينا اليوم تراث فقهي زاخر، خلّفه لنا خيرة فقهاء هذه الأمة وعلماؤها، من لدن عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى اليوم، ومن أخصب هذا التراث وأغدقه مادة، وأعمقه بحثاً وتنظيراً، ما تركه فقهاء القرن الرابع الهجري - ومن بعدهم - فلم يكد يطل هذا القرن على المسلمين حتى كان الفقه قد كمل ونضج واستوى على سوقه، وصنفت فيه الكتب والرسائل، ودونت فيه المناظرات ومجالس الفقهاء واجتهاد الأئمة وآراؤهم فيما جد من القضايا والأحداث ... وغير ذلك مما كون مادة فقهية غزيرة، أقبل عليها فقهاء القرن الرابع ومن بعدهم، بالدراسة والتعليق والشرح، فنموا بذلك تراث أسلافهم، وأولوه من العناية والاهتمام ما لا مزيد عليه. واختار كل منهم إماماً من الأئمة المشهورين، وعكف على أصوله بالبحث والدراسة، ثم بالتفريع والتخريج حتى صار لهم بذلك رصيد فقهي هائل، استطاع - رغم نزعته التقليدية - أن يستوعب ما جد من الوقائع والأحداث، وأن يقدم الأحكام الشرعية لكل ما عرض عليه من نوازل ومسائل.

وإن الكثير من هؤلاء الفقهاء، لا زالوا في حاجة إلى التعريف بهم، وتجلية تراثهم القيم، فالدراسات والكتابات المقدمة عنهم - سواء في إطار البحث الجامعي، أو في إطار البحوث الحرة - لا زالت لم تف بحقهم، ولا زال دينهم عليها ثابتاً في الذمة.

وفي هذا الباب محاولة متواضعة في تقديم فقيه من هؤلاء الفقهاء

19