وهذا العمل العلمي - الفقهي -، لا يقوم بإنجازه رجل واحد، ولا تكفي لتحقيقه مدة زمانية محددة، بمقدار ما ينجز فيها بحث علمي. بل هو عمل - أو هو مشروع كما سميته من قبل - يحتاج إلى عُمُر، ويتوقف على جهود جماعية مكثفة.
ولست بهذا أزعم أن يكون هذا الموضوع قَفْراً بالمرة من الاهتمام والبحث العلمي. بل أعلم أن هناك من الباحثين، من تناوله على وجه من الوجوه، وفي جزء من أجزائه. ولكن ذلك كله لا يعدو أن تكون جهوداً متفرقة، لا تجمعها وحدة المشروع، ولا ينظمها ويؤلف بينها بناءٌ واحد، ومنهج واحد. ثم هي لم تصدر من نفس البواعث العميقة التي أشرت إليها، ولا تهدف إلى المقاصد البعيدة، التي نبهت على أهميتها.
لذلك فالمشروع يحتاج إلى عمر مديد، وجهد جماعي كبير، على أساس أن يكون هذا المشروع الفقهي موحداً في تصوره ومنهجه، ورسم بنائه العام، ليكون كذلك في نتائجه وإنجازه.
وانطلاقاً من ذلك فإن بحثي هذا ليس إلا لبنةً من لبنات هذا المشروع، وخطوة من خطواته، آمل أن تنضم إليها لبنات وخطوات أخرى ليكتمل البناء. وهذا يتطلب مزيداً من الاهتمام بالتراث الفقهي الإسلامي، تحقيقاً وتوثيقاً من جهة، ودراسة وتحليلاً من جهة أخرى. وكل ذلك لا يتم إلاّ عن طريق الوعي بضرورة تنشيط الحركة الفقهية، وتوجيهها على ضوء معطيات العصر ومتطلباته؛ لتحيى حياتها الطبيعية، بعيدة عن التحجر والجمود، واجترار ما تقادم وبلي من النقول والفتاوى، فذلك ليس فقهاً؛ وإنما هو تاريخ فقه.