تمهيد
بين أيدينا اليوم تراث فقهي زاخر، خلّفه لنا خيرة فقهاء هذه الأمة وعلماؤها، من لدن عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى اليوم، ومن أخصب هذا التراث وأغدقه مادة، وأعمقه بحثاً وتنظيراً، ما تركه فقهاء القرن الرابع الهجري - ومن بعدهم - فلم يكد يطل هذا القرن على المسلمين حتى كان الفقه قد كمل ونضج واستوى على سوقه، وصنفت فيه الكتب والرسائل، ودونت فيه المناظرات ومجالس الفقهاء واجتهاد الأئمة وآراؤهم فيما جد من القضايا والأحداث ... وغير ذلك مما كون مادة فقهية غزيرة، أقبل عليها فقهاء القرن الرابع ومن بعدهم، بالدراسة والتعليق والشرح، فنموا بذلك تراث أسلافهم، وأولوه من العناية والاهتمام ما لا مزيد عليه. واختار كل منهم إماماً من الأئمة المشهورين، وعكف على أصوله بالبحث والدراسة، ثم بالتفريع والتخريج حتى صار لهم بذلك رصيد فقهي هائل، استطاع - رغم نزعته التقليدية - أن يستوعب ما جد من الوقائع والأحداث، وأن يقدم الأحكام الشرعية لكل ما عرض عليه من نوازل ومسائل.
وإن الكثير من هؤلاء الفقهاء، لا زالوا في حاجة إلى التعريف بهم، وتجلية تراثهم القيم، فالدراسات والكتابات المقدمة عنهم - سواء في إطار البحث الجامعي، أو في إطار البحوث الحرة - لا زالت لم تف بحقهم، ولا زال دينهم عليها ثابتاً في الذمة.
وفي هذا الباب محاولة متواضعة في تقديم فقيه من هؤلاء الفقهاء