الخلاف - بطريقته الاستدلالية في التصنيف، وذلك أنه يسوق الحكم الفقهي للمسألة، مصحوباً بدليله الشرعي من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو مصلحة، أو غير ذلك من الأدلة الشرعية الأخرى المعتد بها في أصول الفقه المالكي. والمعروف عن معظم فقهاء المالكية - خصوصاً الذين كانوا في عصر القاضي عبد الوهاب، والذين جاؤوا من بعدهم - أنهم في تصنيفهم يسوقون الأحكام الفقهية للفروع، مجردة عن أدلتها الشرعية. بل أنهم قد يستدلون بأقوال الفقهاء عوضاً عنها، فيحتجون لفتاواهم وتعليلاتهم الفقهية بقول ابن القاسم وأشهب وسحنون وغيرهم من أعلام المذهب، بدلاً من الاستدلال بالآية أو الحديث أو إجماع الصحابة أو فتاواهم، أو عمل أهل المدينة أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة عند الإمام مالك رحمه الله. أما المتأخرون، فقد أضافوا إلى الاستدلال بأقوال هؤلاء الأعلام - من تلامذة الإمام مالك وتلامذة تلامذتهم - الاستدلال بأقوال أصحاب المختصرات، كابن الحاجب، وخليل، وغيرهما...
فدراسة فقه القاضي عبد الوهاب، وأمثاله من أعلام الفقه المالكي، هي في الحقيقة رجوع إلى مصادر هذا الفقه، وإحياء لأصوله الأولى التي كان بها مزدهراً نشيطاً متحركاً متفتحاً، وخروج به عن تحجر وجمود المقلدين من المتأخرين الذين أهملوا الأصول وأمهات كتب الفقه المالكي، وأحيوا شروح الشروح، ومختصرات المختصرات...
والفقه اليوم بحاجة إلى نفض هذا الغبار عنه، غبار الجمود والتقليد المقيت، وإزالة ما علق به طوال القرون الأخيرة من العقم والموت، هو