هذه الحالة المزرية قول ابن الجوزي: «... وأكلوا الجيف، وإذا راثت الدواب اجتمعوا جماعة من الضعفاء، على الروث، فالتقطوا ما فيه من الحب الشعير فأكلوه، وكانت الموتى مطرحين، فربما أكلت الكلاب لحومهم، وخرج الناس إلى البصرة، وصار العقار والدور تباع برُغْفَان خبز، ويأخذ الدلال بحق دلالته بعض الخبز»(١).
وعلى الصعيد الاجتماعي: فقد اختل الأمن في كثير من الجهات، واستفحل أمر اللصوص والعيارين وعاثوا في الأرض فساداً يقتلون وينهبون ويحرقون...(٢).
هذا إلى جانب الفتن الكثيرة التي كانت دائمة بين الديالمة مع بعضهم البعض، وبينهم وبين الأتراك، وقد نقل ابن الأثير الشيء الكثير من ذلك...(٣).
في هذا الجو السياسي المضطرب المليء بالفتن، ظهر القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، وفي هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية العويصة الشائكة، نشأ عبد الوهاب وتربى وطلب العلم، ودَرَّس، وناظر، وألف، ومضى.
وقد جاءت بعض أخباره تؤكد سوء الحالة الاقتصادية التي عرفتها بغداد في تلك الفترة، ذلك أنه اضطر - في أواخر حياته - إلى مغادرة بلده
(١) المنتظم: ٣٤٤/٦.
(٢) انظر على سبيل المثال: المنتظم: ٥٣/٧ في حوادث سنة (٣٨٠هـ)، ٢٢٠/٧ في حوادث (٣٩٢هـ). والكامل لابن الأثير: ٦١٩/٨.
(٣) انظر: الكامل: ٦١٩/٨، ٦٣٤، ٤١/٩ - ٤٩، ٦٣...