38

Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

كسابقيهم، لولا أن حال بينهم وبين ذلك ما كان مفروضاً عليهم من التقليد والمذهبية، من قبل الدولة التي أغلقت باب الاجتهاد خوفاً من أن يدخله كل من دب وهب - كما سبق -، ومن قبل العامة الذين أصبحوا يقدسون المذاهب السالفة، ولا يبغون بها بديلاً.

وهكذا فقد جاءت جهود هؤلاء الفقهاء مركزة على مذاهب أئمتهم، مهتمة بالبحث عن علل ما استنبطه هؤلاء الأئمة من أحكام، والعمل على الترجيح بين مختلف أقوالهم وأقوال تلامذتهم، والعناية بمصنفاتهم شرحاً وتحشية واختصاراً ... فكان ذلك سبباً في ازدهار علم أصول الفقه، الذي وضعت لبناته الأولى في رسالة الشافعي وموطأ مالك وغيرهما، وأسسه لاستيعاب القضايا والنوازل التي لم تكن في عهد الأئمة السابقين.

وإلى جانب ذلك، فقد كان سبباً في تنشيط عملية التنظير الفقهي والأصولي، وازدهار علم الخلاف(١)، بحيث كانت المجالس العلمية تعج بالفقهاء - على اختلاف مذاهبهم - وتجري بينهم المساجلات والمناظرات في مسائل الفقه: أصوله وفروعه، ويجتهد كل منهم لإظهار قوة حجته، وبراعة استدلاله، فنشأ بذلك تراث فقهي آخر، لا يقل أهمية عن تراث الكتب والمصنفات والشروح .. بل إنه كوّن - في هذه الفترة - فلاسفة الفقه، الذين أغنوا جانب العقل أيما إغناء.

(١) ذكر الأستاذ محمد الخضري بك أن أول من وضع هذا العلم وصنف فيه هو أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسي السمرقندي الفقيه الحنفي المتوفى سنة (٤٣٠هـ). (انظر: تاريخ التشريع الإسلامي للخضري: ص ٣٤٨). والحق أنه لا معنى لهذا التحديد؛ لأن كتب الخلاف قد صنفت قبل الدبوسي وسنقف على أمثلة منها عند ذكر كتب القاضي عبد الوهاب، كما سيظهر ذلك من خلال الإشارة إلى كتب أخرى في الخلاف سواء في هذا الباب أو في الذي يليه.

37