هذه - إذاً - صورة عامة، عن عصر القاضي عبد الوهاب، وهو - كما رأينا - كان مطبوعاً بالاضطراب والتصدع السياسي ... الذي كان له تأثير كبير في الجوانب الحياتية الأخرى. وأبرز ما يستوقف الباحث من نتائج ذلك الاضطراب والتصدع والاختلال ... هو فقدان السلطة المادية (الفعلية) من يد الخلفاء العباسيين. وفقدان السلطة الدينية والتشريعية من يد العلماء - تقريباً -، أو بعبارة أخرى: فقدان سلطة أولي الأمر وأهل الحل والعقد من علماء الأمة على مستوى الدولة والحكم، إلا بصورة ليست أحسن حالاً من صورة بقاء الحكم بيد الخلفاء.
وفي هذا الجو السياسي، والاجتماعي، والثقافي، نشأ القاضي عبد الوهاب، وقد تأثر - كغيره من العلماء - بهذه الظروف، وناله ما نال غيره - من ذوي النفوس الكبيرة - من التهميش والإهمال، وأثرت فيه الحالة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، كما أثرت في غيره من كثير من العلماء والأدباء، فاضطر إلى الرحيل عن بغداد كما فعل غيره ممن اضطر إلى ذلك أيضاً، وهكذا أصبحت بغداد تنبو بذوي الفضل والعلم من أهلها، وتضطرهم إلى الرحيل عنها، بعد أن كانت قبلة الوافدين، ومستوطن العلماء والأدباء، ومهجر الغرباء وأبناء السبيل.
✿✿✿