جاءت معبرة عن كوامن التنافس والغيرة.
وعلى سبيل المثال أورد هنا بعض ما ساقه القاضي عياض عن فقهاء آل حماد، وقضاتهم، فبعد ما تحدث عن مكانتهم العلمية والاجتماعية والنفوذية، وما وصلوا إليه من عز ومجد وثراء وسلطة، ساق قصة عبد الله ابن سليمان الوزير، معهم، ذلك أن هذا الرجل كان سيء الرأي في آل حماد نافساً عليهم. فلما ولي الوزارة للمعتضد العباسي، أراد الإيقاع بهم، وأعمل فيهم الحيلة، فلم يقدر على ذلك. إلى أن مات القاضي إسماعيل بن إسحاق، فظن هذا الوزير أن فرصة الإيقاع بهم قد حان وقتها، فقال للمعتضد: يا أمير المؤمنين، بنو حماد مشاغيل بخدمة السلطان وأسباب النفقات والمظالم عن الحكم. فلم يقدح ذلك فيهم ولم يكن بالذي يصرف الخليفة عنهم.
غير أن الوزير أعاد الكرة، فلم يزل بالخليفة مرة بعد مرة يزهده فيهم، ويصرفه عنهم، حتى تمكن من بعض ذلك. فأمكنه الخليفة من توليه أبي حازم الحنفي قضاء الشرقية، وعلي بن أبي الشوارب قضاء مدينة المنصور، ولم يبق لآل حماد سوى قضاء عسكر المهدي. لكن هذا التدبير لم يستمر نجاحه، فقد عاد قضاء القضاة لآل حماد أيام الإمام أبي عمر وبنيه(١).
وهكذا فإن مثل هذه المنافسات وإن كانت قد أودت - أحيانا - بحياة بعض قضاة المالكية في العراق، إلا أنها لم تستطع طيلة هذه الفترة أن
(١) انظر: ترتيب المدارك: ٢٧٧/٤ - ٢٧٨.