كالمزني، رداً انتصر فيه بقوة للمذهب المالكي.
والحق أن هذا الرد ثابت عن القاضي عبد الوهاب، بل إن له كتاباً في خصوص الرد على المزني أحد كبار أصحاب الشافعي رحمه الله. لكن هذا لا ينتهض - وحده - سبباً تنبني عليه هجرته من بغداد، لا سيما وقد كانت علاقته حسنة بكبير الشافعية يومئذ الإمام أبي حامد الأسفرايني الذي كان مقرباً إلى الخليفة، والذي بواسطته تقرب الشافعية إلى الخلفاء. بالإضافة إلى أن ردود القاضي عبد الوهاب الفقهية لم تقتصر على الشافعية، بل شملت المذاهب الفقهية الأخرى.
لذلك يبقى السبب المباشر الأكيد الذي دفع القاضي عبد الوهاب إلى هجرة بغداد هو الحالة الاقتصادية التي وصلت إليها بغداد يومئذ والتي نتجت عنها - كما تقدم - تلك المجاعة التي هاجر بسببها كثير من العلماء والأدباء من غيره.
ولكن هذا لا ينفي أن يكون السبب السابق أثر في نفس القاضي عبد الوهاب وأنه احتاط لنفسه وعجل الهجرة قبل أن تلحقه من الشافعية مكيدة قد تؤدي بحياته كما فُعل بغيره.
وهكذا فالجمع بين هذين السببين لا مانع منه، وإن كان أقواهما وأشدهما تأثيراً على القاضي عبد الوهاب هو السبب الاقتصادي، وسيأتي ما يؤكد ذلك من أنه حينما خرج مهاجراً بغداد، طلب ممن تبعه من أشرافها وأعيانها أن يتكفلوا له برغيفين في اليوم، فيقيم ببغداد ولا ينصرف عنها. لكنهم انحنوا برؤوسهم ولم يجيبوه إلى ذلك. وأعتقد أن ذلك ليس بخلاً منهم كما قد يفهم البعض ولكنها المجاعة وسوء حال المعيشة.