مال الناس عنها، وأخذوا في الهجرة إلى غيرها - كما فعل عبد الوهاب نفسه، وأبوه من قبله.
درس عبد الوهاب - إذاً - ببغداد، وتتلمذ فيها على جلة شيوخها من فقهاء ومحدثين ومتكلمين ولغويين وغيرهم، حتى تخرج على أيديهم فقيهاً أصولياً أديباً شاعراً، وحذق المذهب المالكي، وبرع في أصوله فكان من أعمدة الأعلام الذين انتشر بهم الفقه المالكي في العراق.
تولى القضاء في بَادَرَايَا وَبَاكُسَايا والدِّينور، وكلها من أعمال العراق، وولي - أيضاً - قضاء مدينة أسعرد. ثم عندما رحل إلى مصر ولي قضاء المالكية بها إلى أن مات.
وإلى جانب اشتغاله بالقضاء، فقد اشتغل بالتدريس والتأليف، فأنجب رجالاً من خيرة العلماء - سنذكر بعضهم -، وصنف كتباً من أجود ما يفتخر به التراث الفقهي اليوم.
كان عبد الوهاب كريماً باذلاً ماله من أجل العلم والعلماء، ترك له أبوه داراً وجملة دنانير، فأنفقها كلها على طلبته الفقراء الذين كانوا ينهضون بطلب العلم عنده(١). ولم يكن صاحب مال، بل إنه بعد ما أنفق ما كان بيده من مال أبيه، صار في عداد الفقراء(٢)، وكان كثير الشكوى من ضيق حاله وقلة ذات يده، ونحن وإن لم نجد تفاصيل ذلك في المصادر
(١) ترتيب المدارك: ٢٢٣/٧.
(٢) كل المصادر - التي اطلعت عليها - ذكرت أن سبب رحلته إلى مصر هو فقره وضيق حاله. وقد تقدم تحقيق هذه المسألة فلا أعيد القول فيها.