ولم يقف أمر عبد الوهاب عند هذا الحد من الفقر وضيق حاله، وشكواه في ذلك، بل إن حسرته تتضاعف حينما يشعر بأنه أصبح مهملاً مهضوم الجانب، لا يعترف له بحق ولا جميل، وأن بغداد المدينة الواسعة الآهلة، لم تعد تسعه، ولا تسع مثله من أهل العلم والفقه، وإنما تسع الأغنياء وأصحاب الثروات، يقول معبراً عن هذا الشعور(١):
بغداد دار لأهل المال واسعة وللصعاليك دار الضنك والضيق
أصبحت فيها مضاعاً بين أظهرهم كأنني مصحف في كف زنديق
ويشتد به الضيق والضنك إلى حد لم يعد يطيق فيه البقاء ببغداد، فيعزم على الرحيل ويخرج في تشييعه فقهاء بغداد وعلماؤها وأشرافها فيحزنون على فراقه، ويقولون له: والله لقد يعز علينا فراقك، فيجيبهم مثيراً عواطفهم ومشاعرهم، طامعاً في أن يكفوه مؤونة العيش والبقاء في بغداد: ((والله لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية))، لكن القوم لم يبدوا استعداداً لتحقيق أمله، لذلك نكسوا رؤوسهم ولم يجبه أحد، فأمرهم بالانصراف، فانصرفوا(٢). وفي ذلك يقول أبياته المشهورة - رحمه الله - وهو يعبر عن لوعته، وشدة تحسره على فراق بلده بعد أن شاخ فيه:
(١) ترتيب المدارك: ٢٢٤/٧. والذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٦/٢. وفيها ابن بسام يروي البيت الثاني هكذا:
أصبحت فيها مهانا في أزقتها كأنني مصحف في بيت زنديق.
(٢) انظر: الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥١٦/٢. وترتيب المدارك: ٢٢٣/٧.