سلام على بغداد في كل موطن وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ولم تكن الأزراق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوی دُنُوّه وأخلاقه تنأى به وتخالف
ولقد ظل طوال المدة التي تلت رحيله هذا، شديد الحنين إلى بلده بغداد، لم يَسْلُ عنه، ولم يفتأ لاهجاً به، إلى أن مات رحمه الله. وقد حفظت لنا بعض الكتب أشعاراً له في تشوقه إلى بغداد، وحزنه على فراقها الذي أكره عليه إكراها فمن ذلك قوله(١) فيها، عقب مبارحته إياها حيث لم يبعد عنها كثيراً:
أتبكي على بغداد وهي قريبة فكيف إذا ما أزددت منها غداً بعدا؟
لعمري ما فارقت بغداد عن قلّی لها، أن وجدنا للفراق بها بدا
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعت من الشوق، أو كادت تموت بها وجدا
كفى حزناً إن رمت لم أستطع لها وداعاً، ولم أحدث لشاطئها عهدا
ويقول(٢) أيضاً بعد ما تمكنت منه الغربة:
أنا في الغربة أبكي ما بكت عين غريب
لم أكن يوم خروجي من بلادي بالمصيب
وهكذا كان هذا الرحيل المحتوم حافزاً لهذا الرجل الملتاع، على أن يصور لنا عواطفه ومشاعره في مقطوعات شعرية صادقة مؤثرة.
(١) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٢/٢.
(٢) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٥/٢.