وفي طريق رحلته هذه، اجتاز بمعرّة النعمان، فأضافه أبو العلاء المعري، الشاعر، وأكرمه، وقال فيه أبياتاً منها(١):
والمالكي ابن نصرِ زَارَ في سفرٍ بلادَنَا فحمدنا النأى والسفرا
إذا تفقّه أحيا مالكاً جدلاً وينشر الملك الضليل إن شَعَرا
ثم سار قاصداً مصر، وكان ينوي الذهاب إلى المغرب، فعدل عن ذلك بعدما وصفه له بعض الذين زهدوه فيه، وكاتبه ابنا الشيخ ابن أبي زيد القيرواني في ذلك طالبين منه القدوم إلى المغرب، ووصلاه بمال لما كان منه من شرح تآليف أبيهما، لكنه اعتذر إليهما قائلاً(٢):
أنا ذاك الصديق لكن قلبي عند قرب الديار ليس بقلب
ما انتفعنا بقربكم ثم لا لـ وم عليكم، وإنما الذنب ذنبي
أنا في خطة وأسأل ربي في خلاصي من شرها، ثم حسبي
ولما وصل إلى مصر تلقاه أهلها بحفاوة كبيرة، وأكرم العبيديون وفادته، وأغدقوا عليه من الخير والنعم ما أغناه بعد فقر، وقلدوه قضاء المالكية، فانتشر الفقه المالكي وذاع صيته على ربوع مصر بعد أن كاد الفقه الشيعي محوه منها.
ولم يكن عبد الوهاب يستريح قليلاً من وعثاء الرحلة، ويهنأ بالعيش الجديد الذي وجده في رحاب المغاربة بمصر، حتى وافته المنية وهو قاضٍ بها. وقد روي أنه قال وهو يودع الحياة: ((لا إله إلا الله، لما عشنا، متنا))(٣).
(١) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥١٦/٢.
(٢) ترتيب المدارك: ٢٢٦/٧.
(٣) ترتيب المدارك: ٢٢٧/٧. ووفيات الأعيان: ٢٢٠/٣، وغيرهما.