وهكذا انتقل هذا الفقيه الكريم إلى ربه، بعد أن طوى عمراً، كله جهاد وابتلاء، جهاد بالعلم والدرس والتأليف، وابتلاء بالفقر وضيق الحال...
ولقد عرف الناس فيه الرجل الفاضل الوفي الزاهد الورع... نستطيع أن نستنبط هذه الصفات من شعره الذي اعتبره مصدراً مهماً من مصادر ترجمته. فمن ذلك قوله(١) ينعى على أصحابه إخلافهم المواعد، مقابل وفائه بها:
يَحْتَاجُ مَن كَانَ فِي مَوَاعِدَكُمْ إلى ثلاث من غير تكذيب
أَمْوالِ قَارُونَ يَسْتَعِينُ بِهَا وَعُمْرٍ نُوحٍ، وَصَبْرِ أُوبٍ
ومن ذلك قوله(٢) يحث على تمتين أواصر الأخوة في الله، والمحبة فيه، وأنها هي المقياس الحقيقي الصحيح الذي يجب أن توزن به العلاقات:
وكل مودة في الله تبقى على الأيام من سعة وضيق
وكل مودة فيما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق
وكأنه ينعى بذلك على الذين أعرضوا عنه بعد ما فرغت يده من المال.
وقد حنكته المحن والشدائد، وجعلت منه حكيماً، صابراً، لا يعبأ بكوارث الحياة ونكباتها، ثم هو يدعو غيره إلى هذا الصبر، وهذه الحكمة
(١) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٥/٢.
(٢) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٣/٢.