وأن المغاربة أغنوه بمصر وأوسعوه مالاً وكرماً، فإذا تركنا هذه المصادرة جانباً واستنطقنا تلك المقطوعات الشعرية التي أُثْرَتْ عن عبد الوهاب، وجدنا فيها ما يؤكد هذه الحقيقة، ويثبت أن الرجل كان بعيد الصلة بالدولة. فهو يقول - مثلاً - مصوراً الوضع المزري الذي كانت تعرفه بغداد - يومئذ - من إهمال الخلفاء لأكابر العلماء، وتقريبهم الأصاغر وتمكينهم من المنصب والمال، يقول متحسراً على ذلك(١):
متى تصل العطاش على أرتواء إذا استقت البحار من الركايا؟!
ومن يثني الأصاغر عن مراد وقد جلس الأكابر في الزوايا؟!
وإن تَرَفِّعَ الوَضْعَاءِ يوماً على الرُّفَعَاءِ من إحدى البلايا
إذا استوت الأسافلُ والأعالي فَقَد طابت منادمة المنايا
ويقول أيضاً(٢) - واصفاً رحلته من بغداد وما صاحبها من تردده على كثير من الديار، ومقامه بكثير من البلدان، مشيراً إلى أن سبب ذلك هو حرمانه من المال والمكانة:
أطال بين الديار ترحالي قصور ما لي، وضعف آمالي
إن بُرت في بلدة مشيت إلى أخرى، فَمَا تستقل أجمالي
كأنني فكرة الموسوس ما تبقى مدى ساعة على حال
وفيما تقدم من مقطوعاته الشعرية ما يؤكد ذلك أيضاً.
غير أننا أمام هذا كله نفاجأ حينما نقرأ في ذخيرة ابن بسام رسالة
(١) وفيات الأعيان: ٢٢١/٣.
(٢) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٧/٢.