كتبها القاضي عبد الوهاب وأرسل بها إلى المستنصر بالله صاحب مصر، فنعجب غاية العجب من لهجتها التي تدل على أنه لم يكن بالرجل المهمل بل كان صاحب نفوذ ومكانة، يؤهلانه لمخاطبة الملوك بلهجة قوية جريئة. ويشتد عجبنا حينما نقرأ جواب المستنصر، الذي يؤكد هذه المكانة والنفوذ. وفيما يلي نص الرسالة ونص جوابها كما أثبت ذلك ابن بسام، قال: ((وكتب يخاطب المستنصر بالله صاحب مصر: حصّن الله المؤمنين من الشيطان بِجُنَنِ الطّاعة، ودثِّرهم من قرِّ وسواسه بسرابيل القناعة، ووهبهم من نعمه مدداً، ومن توفيقه رشداً، وصيرهم إلى منهج الإسلام وسبيله الأقوم، وجعلهم من الآمنين فيما هم عليه موقوفون، وزينهم بالتثبيت فيما هم عنه مسؤولون (١) (وما ربك بظلام للعبيد﴾.
كتابي إليك من الجْبِّ بإزاء مصرك، وفناء برّك، بعد أن كانت بغداد لي الوطن، والألفة والسكن، ولما كنت على مذهب صحيح، ومتجر ربيح، كثرت علي الخوارج، وشق على الماء ارتقاء المناهج، (٢) (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ فأتيت مكة - حرسها الله - لكي أقضي فرض الحج، من عج وثج، أسأل الله تعالى القبول، وكيف وإنما يتقبل الله من المتقين. وقد كنتَ عندي ذا سنة ودين، محباً في الله تعالى وفي النبيين، وفي محمد ﷺ والمهديين، فورد الناطقون وأتى المخبرون، بخبر ما أنت عليه، فذكروا أنك مدحض لمذهب مالك، موعد لصاحبه بأليم
(١) سورة فصلت: الآية (٤٦).
(٢) سورة الحج: الآية (٤٠).