المهالك، هيهات هيهات، ﴿إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾(١). فأبيت القبول على أمر لم يصح بيانه، لكثرة الكذب في الدنيا، وإذ لا يحل لمسلم أن يموت طوعاً، فأردت الكشف عن ذلك بكتاب منك، والسلام على من اتبع الهدى﴾(٢).
ثم قال : مباشرة ينقل جواب المستنصر بالله: ((حرسَ الله مهجتك، وطول مدتك، وقدم أمير المؤمنين إلى المنية قبلك، وخصه بها دونك، ورد كتابُك المكرم، وأتى خطابُك المعظم، يُفصح البكم، وينزل العصم، هبت عليه رياح البلاغة فنمقته، ووكفت عليه سحائب البراعة فرققته، فيا له من خط بهي، ولفظ شهي، تذكر فيه حسن ظنونك بنا، وتثبت مآثرنا، فلما أن عرست بإزائها، ورد من يفسخ عليك، فخذ بظاهر ما كان عندك ورد، ودع لربك علم ذات الصدور، والسلام﴾(٣).
فانظر إلى هذه الرسالة وما فيها من معاني القوة والعزة والرفعة، وانظر إلى قوله فيها: ((ولما كنت على مذهب صحيح ومتجر ربيح، كثرت علي الخوارج))، فهو صاحب خصوم كثر، ولا يكون الرجل كذلك إلا إذا كان صاحب مكانة ونفوذ، إذ لم نعهد أن للمهملين والمهمشين خصوماً وحساداً. ثم إن الرسالة ليس فيها أدنى ما يشير إلى فقره وضيق حاله، بل غاية ما فيها أن سبب خروجه من بغداد هو كثرة خصومه الخارجين عليه
(١) سورة الزمر: الآية (٣٠ - ٣١).
(٢) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٠/٢ - ٥٢١.
(٣) الذخيرة: ق: ٤، مج: ٥٢٠/٢ - ٥٢١.