Al-qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min Iʿlām al-muwaqqiʿīn
القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين
Publisher
دار ابن القيم ودار ابن عفان
رسائل جامعية
القواعد الفقهية
المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين
للعلامة ابن قيم الجوزية
رحمه الله
إعداد
أبي عبد الرحمن عبد المجميد جمعة الجزائري
تقديم
فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد
دار ابن القيم دار ابن عفان
1
قال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد:
لو لم يكن من مؤلّفاته إلاّ كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد"، ذلك الكتاب النافع المعطار، وكتابه الجامع لأمّهات الأحكام، وحقائق الفقه، وأصول التشريع، وحكمته وأسراره المسمّى "إعلام الموقّعين"، وغيرهما مِمَّا يعجب ويطرب، لو لم يكن منها إلاّ هذان الكتابان لكفى.
ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده (ص٧١ - ٧٢)
2
Unknown page
Unknown page
تقديم بقلم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد
الحمد لله بجميع المحامد وأكملها، على جميع نعمه ظاهرها وباطنها، وصلى الله وسلم على خير الخلائق وأفضلها، وعلى صحابته والتابعين لهم بإحسان في كليات الإحسان وجزئياتها.
أما بعد: فهذا نفس من الغرب الإسلامي، يتضوع مسكاً أذفراً، وعلماً جمّا، وبياناً عذباً - وأي عبد لك ما ألمّا - يجري عبر قلم حدا حادي الحيف إلى العلم الشرعي، على ميراث النبوة صافياً، فوقع الاختيار منه موفقاً على علمٍ من الشرق الإسلامي وآله، يستثمر من علومه، ويلتقط من غوالي درره وفهومه، يجمعهما - مع تباعد الدار، ومدى الزمان -: شرف الالتقاء على مائدة الإسلام الباقية، ومعجزته الخالدة الشريفة صافية، فجال هذا القلم المبارك من الجزائر حولته في معين واسع من كتب علم من أعلام الإسلام الدماشقة، صاحب التصانيف المفيدة، الشيخ العلامة ابن قيم الجوزية (ت سنة ٧٥١هـ)، وذلك في أنبل كتبه، وأجلها وأثراها بالقواعد الفقهية، والتخريج عليها: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، فاستقرأ منه تسعاً وتسعين قاعدة، قرب لمحبي العلم كلامه فيها، ولا أحسبه إلا قبض قبضة من آثار هذا الإمام، فزاده بياناً وتوضيحاً، وعزواً وتوثيقاً، ثم جعل هذا الكتاب ((وثيقة شرعية للقواعد الفقهية))، سهل السياق، ويألفه القارئ ويستفيد منه بلا أستاذ، فجزى الله أخانا الشيخ عبد المجيد جمعة خير الجزاء، وبارك في علمه ونفع به، وجعلنا وإياه من عباده الصالحين، وحزبه المفلحين، وحراس هذا الدين، حتى نلقى ربنا ونحن على ذلك من الشاهدين.
كتب:
بكر بن عبد الله أبو زيد
5
Unknown page
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾(١).
﴿يَا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثْ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾(٣).
أما بعد: فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد
(١) سورة آل عمران: ١٠٢.
(٢) سورة النساء : ١.
(٣) سورة الأحزاب : ٧٠ -٧١.
7
صلّى الله عليه وسلّم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.
وبعد: فإنّ علم القواعد الفقهيّة، علم جليلٌ قدرُه، عظيمٌ شأنه، عميم نفعه، عال شرفه وفخره، اكتحلت بإنمده عيون الأعلام، وتزيّنت بحلّته أعطاف ذوي الأفهام، واستبصرت بنوره أنظار أولي النّهى والأحلام ؛ إذ هو قاعدة الأحكام، والفاصل بين الحلال والحرام، وبه تتحقق مصالح الأنام، وتحكم المسائل غاية الإحكام.
لا يستغني عنه كلّ مجتهد فقيه، ولا يرغب عنه كلّ عالم نبيه؛ لأنّه العمدة في الاجتهاد، والقاعدة التي عليها الاستناد والاعتماد، والأصل الذي يرجع إليه جميع المواد.
وقد أشاد كثير من العلماء بشأنه، ونوّهوا بأمره، وبيّنوا عظيم فائدته. يقول الحافظ ابنُ رَجَبِ الْحَنْبَلِيُّ(١) - رحمه الله -:
« أما بعد: فهذه قواعد مهمّة، وفوائد جمّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيّد له الشوارد، وتقرّب عليه كلّ متباعد». اهـ(٢).
وجرّدوا في مسالكه العناية، وبلغوا في مآخذه النّهاية، حيث خرّجوا الفروع على الأصول والقواعد، وبيّنوا مسالك الأنظار ومدارك المعاقد، وكيفية ائتلاف النظائر، واختلاف المآخذ واجتماع الشّوارد.
(١) ستأتي ترجمته.
(٢) القواعد في الفقه الإسلامي (ص ٣).
8
وسلكوا في تدوين القواعد وضبطها، وتحرير فصولها مسلكين:
الأول: من لم يصنف فيها استقلالاً، وإنما صنف في الفقه، وضمنه قواعد عند تعليل الأحكام، ومسالك الاستدلال. وهذا ما نراه في أمهات الكتب الفقهية.
ومن أشهرها في الفقه الحنفي: "بدائع الصنائع" للإمام الكَسَانِيِّ(١)؛ و"التّحرير شرح الجامع الكبير" للإمام الحَصِيرِي(٢).
ومن أشهرها في الفقه المالكي: "الذّخيرة" للإمام القَرَافِيِّ(٣).
(١) هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكساني (ويروى الكشاني) علاء الدين الحنفي، من أهل حلب. توفي بها سنة (٥٨٧هـ). له «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»، و«سلطان المبين في أصول الدين» انظر «الأعلام» (٧٠/٢).
(٢) وقد استخرجها علي أحمد الندوي، نال بها درجة الدكتوراه. والحصيري هو: الإمام محمود بن أحمد بن عبد السيد جمال الدين أبو المجامد، البخاري، الناجري، الشهير بالحصيري الحنفي. ولد ببخارى سنة (٥٤٦هـ) ونشأ بها، وتفقّه وبرع، وسكن دمشق وتوفي بها في ثامن صفر سنة (٦٣٦ هـ). وله تسعون سنة، وازدحم الخلق على نعشه، وحمله الفقهاء على الرؤوس وكان يوماً مشهوداً. ومن مؤلفاته: «شرح السير الکبیر»، و«التحرير شرح الجامع الكبير» و«النّجم الهادى السّاري إلى حل ألفاظ صحيح البخاري» انظر: «سير أعلام النبلاء» (٥٣/٢٣ - ٥٤)، و«البداية والنهاية» (١٥٢/١٣ - ١٥٣) وانظر: «القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير» (ص ٣٩ - ٧٦) لعلي أحمد الندوي.
(٣) هو الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلين الصنهاجي البفشيمي القرافي، انتهت إليه رئاسة المالكية. توفي بمصر في جمادى الآخرة سنة (٦٨٤ هـ). وترك عدة مؤلفات منها: «الفروق»، و«الذّخيرة». انظر:
9
ومن أشهرها في الفقه الشّافعي: "المجموع شرح المهذّب" للإمام النَّوويِّ(١). ومن أشهرها في الفقه الحنبلي: "المغني" لابن قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ(٢).
فالقواعد الفقهية في مثل هذه المصادر متناثرة في أبواب مختلفة.
المسلك الثاني: من أفردها بالتّصنيف، وجمعها تحت عنوان: القواعد أو الأشباه والنظائر.
«الديباج المذهب» لابن فرحون (٦٢ - ٦٧)؛ و«شجرة النور الزكية» (رقم: ٦٢٧)؛ و «الأعلام» للزركلي (٩٤/١ - ٩٥).
(١) هو الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف بن مري الخزامي الحراني الشافعي. ولد في محرم سنة (٦٣١هـ). ومات في رابع عشر رجب سنة (٦٧٦ هـ). وصنف التصانيف النافعة في شتى العلوم، منها: «شرح صحيح مسلم»؛ و«المجموع شرح المهذّب». انظر «تذكرة الحفاظ» (١٤٧٠/٤ - ١٤٧٤ رقم ١١٦٢) و«طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي (٤٥٥/٨) و«طبقات الشافعية» للإسنوي (٤٧٦/٢ - ٤٧٧ رقم: ١١٧٢) و«طبقات الشافعية» لابن هداية الله (ص ٢٢٥) ؛ وانظر «المنهج السوي في ترجمة الإمام النووي» للسيوطي؛ و«المنهل العذب الرويّ في ترجمة قطب الأولياء النوويِّ» للإمام السخاوي.
(٢) هو الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي الحنبلي. مولده بجماعيل من عمل نابلس في شعبان سنة (٥٤١هـ)، وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، قرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقى، وكان شيخ الحنابلة. توفي يوم السبت يوم عيد الفطر سنة ٧٢٠، و صنف التصانيف الكثيرة الحسنة منها «المغني في الفقه» و«الكافي» و«المقنع» وغيرها كثيرة. انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٦٥/٢٢ - ١٧٣)، و«البداية والنهاية» (٩٩/١٣ - ١٠١)، و«ذيل طبقات الحنابلة» (١٣٣/٢ - ١٤٩ رقم: ٢٧٢).
10
وطريقته في ذلك، أن يذكر القاعدة، ثم يذكر المسائل المخرّجة عليها، ثم المستثنیات منها.
وقد اجتهد علماء المذاهب في هذا المسلك، وأوفوه حقّه:
فمن أشهرها في المذهب الحنفي: "الأشباه والنظائر" لابْنِ نُحَيْمٍ(١).
ومن أشهرها في المذهب المالكي: "الفروق" للإِمام القَرَافِيِّ.
ومن أشهرها في المذهب الشّافعي: "الأشباه والنظائر" لابن السُّبْكِيِّ(٢)، و"الأشباه والنّظائر" للإمام السُّيوطيِّ(٣)؛ و"المنثور في القواعد" للإمام
(١) هو الشّيخ العلاّمة زين الدين إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم الحنفي. ولد بالقاهرة سنة (٩٢٦هـ) وأخذ من علمائها. توفي سنة (٩٧٠هـ). وله عدة مصنفات منها: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، و«شرح المنار»، و«الأشباه والنظائر». انظر: «التعليقات السَّنية على الفوائد البهية» للكنوي (ص ١٣٤ - ١٣٥)؛ و«شذرات الذهب» (٣٥٨/٨)؛ و«الأعلام» (٦٤/٣).
(٢) هو الإمام العلامة القاضي تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي ابن الشّيخ الإمام تقي الدين أبي الحسن الأنصاري الخزرجي السبكي. ولد بالقاهرة سنة (٧٢٧هـ) وتوفي بالطّاعون في ذي الحجة ليلة الثلاثاء سنة (٧٧١هـ) عن أربع وأربعين سنة. وترك تصانيف كثيرة منها: «رفع الحاجب عن تصانيف ابن الحاجب» و«الإبهاج شرح المنهاج» في الأصول و«طبقات الشافعية الكبرى» وغيرها. انظر: «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (١٠٤/٣ - ١٠٦)؛ و«الدّرر الكامنة» (٣٩/٣ - ٤٢ رقم: ٢٥٤٧) و«حسن المحاضرة» (٣٢٨/١ - ٣٢٩).
(٣) هو الإمام العالم جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخُضَيْرِيُّ السيوطي الشافعي. ولد بالقاهرة في أول رجب سنة (٨٤٩هـ). توفي فجر الجمعة تاسع عشر جمادى الأول سنة (٩١١هـ). وترك آثارًا كثيرة في مختلف الفنون منها «تدريب
11
الزَّرْكِشِيِّ(١).
ومن أشهرها في المذهب الحنبلي: "القواعد في الفقه الإسلامي" للحافظ ابن رجب الحنبلي.
وقد استخرج هؤلاء العلماء القواعد من تضاعيف الكتب الفقهية المتداولة بينهم.
ولِما لهذا المسلك الأخير من أهمية عظيمة، وفائدة جسيمة، ارتأيتُ أن يكون موضوع رسالتي لنيل درجة ((الماجستير)) في القواعد الفقهية جمعًا ودراسة.
فرُحت أطوف على الكتب أنفذ فيها بصيرتي، عسَايَ أن أجد ما يروي غليلي، ويشفي عليلي، حتّى وقفت على كتاب "إعلام الموقعين عن ربّ العالمين" للعلاّمة شمس الدِّين أبي عبدِ الله مُحمّد بن أبي بكر الشّهير بِابْنِ قَيِّمٍ
الراوي» و«الدر المنثور». ترجم لنفسه في كتابه «حسن المحاضرة» (٣٣٥/١ - ٣٤٤)، وانظر «البدر الطالع» (٣٢٨/١ - ٣٢٩ رقم: ٢٢٨)، و«شذرات الذهب» (٥١/٨ - ٥٥).
(١) هو محمد بن بهادر بن عبد الله بدر الدين الزركشى أبو عبد الله مصري المولد والوفاة، تركي الأصل، والزّركشي نسبة إلى الزركشي، لأنه تعلم صنعة الزّركش في صغره، ولقب أيضاً بالمنهاجي، لأنه حفظ «منهاج الطالبين» للإمام النوويِّ. ولد سنة (٧٤٥هـ). وكان فقيهاً، أصولياً، محدثاً، محرراً، أديباً فاضلاً. مات يوم الأحد ثالث رجب سنة (٧٩٤هـ). وصنف تصانيف كثيرة في عدة فنون، منها: «البرهان في علم القرآن» و«البحر المحيط» في أصول الفقه. انظر «النّجوم الزّاهرة» (١٣٤/١٢) و«الدرر الكامنة» (١٧/٤ - ١٨ رقم: ٣٥٧٨) و«حسن المحاضرة» (٤٣٧/١).
12
الجوْزية، فتصفّحته، وأمعنت النّظر فيه، فألفيته كتاباً زاخراً بدرر القواعد، وافراً لِغرر الفوائد، حافلاً بأنواع المعارف والموائد، قد بلغ فيه مؤلفه الغاية، وأظهر فيه الكفاية. فغصت في بحره الرّائق، أستخرج من كنز الدّقائق، درَّ النّفيس، فجمعت ما يحكم العِقْد، ويوفّي بالقصد.
وبعد الاستخارة والمشاورة، انشرح صدري، واطمأنت نفسي إلى البحث، فسجّلته تحت عنوان:
القواعد الفقهية
المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين
للعلامة ابن قيم الجوزية
رحمه الله
13
أهميّة الموضوع وسبب اختياره:
تتجلّى أهميّة الموضوع التي دفعتني إلى اختياره فيما يلي:
١ - إنّ العلاّمة ابن القيم رحمه الله كانت له اليد الطّولى، والقدم الرّاسخة في دقائق الاستنباط، لما كان يتمتّع به من جودة الفكر، ودقّة النّظر، ونور البصيرة، وصفاء القَرِيحة، وتوقّد الذّهن، وحسن الفهم، الأمر الذي مكّنه من تفهّم روح الكتاب والسّنة، والاستشراف على أسرار الشّريعة الإِسلاميّة الغرّاء، فلا غرو أن يأتي - هذا الجهبذ - بغرر القواعد.
٢ - إنَّ العلامة ابن القيم - رحمه الله - كان يعرف بفيض علمه، وسعة اطلاعه، وتبحّره في الفقه الإسلامي، ومعرفته بأصول المذاهب، ومآخذ الأقوال، حتىّ صار من العلماء الأعلام، وأئمّة الإسلام، الذين لا يشقّ غبارهم، ولا تغمز قناتهم، بشهادة أهل العلم له، فحريٌّ - بمثل هذا النحرير - أن يخرّج المسائل، ويجمع الأمثال، ويؤلّف الأشباه، في قواعد كلّية عامّة، وضوابط فقهية هامّة.
٣ - مساهمته بقسط وافر، وعلم زاخر، في تأسيس القواعد، وبناء صرح هذا العلم الفاخر.
٤ - إنّه - رحمه الله - شخصية فقهية مستقلّة، متحرّرة من قيود المذهبيّة، حيث كانت نظرته إلى القواعد كنظرته إلى الفروع والمسائل، يرى أنّ فيها المقبول، وفيها المردود، فما كان فيها مقبولاً أيّده بالدّليل من الكتاب والسّنة، وإجماع الأمة والقياس الصّحيح؛ وما كان فيها مردوداً أتى عليه بالنّقد البنّاء؛ فإبراز هذا الفنّ في مثل هذه الشخصية خير معين لطلبة هذا الفنِّ على التمييز بين صحيح القواعد وسقيمها، وبين مقبولها ومردودها.
14
٥ - إنّ القواعد الفقهية في كتاب "إعلام الموقعين" متناثرة، والفوائد فيه متطايرة، وقد يبذل الباحث جهده، وينفد وجده في جمعها والوقوف عليها، وربّما لا يتأتّى له منها إلا النّزر اليسير، فأحدث الله في نفسي أن تلك القواعد المهمّة، والفوائد الجمّة لو اجتمعت في كتاب، وحيث تبنى عليها فروعها، وترد إليها مسائلها، لكانت قريبة التناول، سهلة المأخذ، ولتكّفت نفس الواقف عليها بها مجتمعة أكثر مما إذا رآها مفرّقة.
٦ - إنّ جمع القواعد الفقهية، واستخراجها من كتاب "إعلام الموقعين" يبرز هذا الفنّ في شخصية الإمام ابن القيم - رحمه الله - العلمية.
٧ - المساهمة في خدمة الجانب الفكري لشخصيته العلمية، وذلك أنّ كثيراً من الباحثين تناولوا بالدراسة شخصيته من زوايا مختلفة، ومن أهمّ تلك الدّراسات:
- ابن قيم الجوزية: عصره، ومنهجه، وآراؤه في الفقه، والعقائد، والتصوف.
د.عبد العظيم شرف الدين. الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية. مصر.
ابن قيم الجوزية: جهوده في الدرس اللغويّ.
د.سليمان حمودة. الناشر: دار الجامعات المصرية.
ابن القيّم: من آثاره العلمية.
د. أحمد ماهر البقرى، مؤسسة شباب الجامعة، مصر، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
ابن القيّم، وحسّه البلاغيّ في تفسير القرآن.
د.عبد الفتاح لاشين، دار الرائد العربي بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م.
15
- ابن قيم الجوزية
محمد مسلم الغنمي. المكتب الإسلامي. الطبعة الثانية، ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م، وقد بحثه من جانب التصّوف.
- ابن القيّم وموقفه من الفكر الإسلامي.
د.عوض الله حجازي.
_ التفسير القيّم للإمام ابن القيّم.
جمعه محمد أويس الندوي، حقّقه محمد حامد الفقى. دار الكتب العلمية. بیروت - لبنان.
_ منهج أهل السنة في تفسير القرآن الكريم (دراسة موضوعية لجهود ابن القيّم التفسيرية).
د.صبرى المتلى. نال بها درجة الدكتوراه. دار الثقافة - القاهرة، مصر ١٩٨٦م.
- ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده.
الشّيخ بكر بن عبد الله أبو زيد. طبع دار الراية: الرياض. النشرة الأولى ١٤١٢هـ.
- التقريب لعلوم ابن القيّم.
له أيضاً. دار الراية الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩١م.
وفيه وضع الشّيخ بكر فهارس علمية دقيقة لعلوم ابن القيّم، في التوحيد، والحديث وعلومه، وأصول التفسير، والمتفرقات، واللغة، والفقه وأصوله وقواعده، تتبّع ذلك من تضاعيف كتبه المطبوعة.
فأنت ترى - أخى القارئ - اهتمام الباحثين بدراسة شخصيته، فأحببت
16
أن أزاحم بمنكبي، وأضرب بسهمي، وأدلو بدلوي في بناء صرح هذا العَلَم الشّامخ، فأضفت هذه اللبنة المتواضعة، خدمةً لفكره الثّري، ومنهله الرّويّ.
٨ - لَم أرَ باحثاً من قبل - فيما علمتُ - تناول هذا الجانب بالدراسة، اللّهم إلّا ما قام به الشّيخ العلاّمة بكر بن عبد الله أبو زيد من وضع فهارس للقواعد الفقهية في كتابه "التقريب لعلوم ابن القيّم". وقد فاتته بعض القواعد، فاستدركتها عليه، كما ستراها في ثنايا هذا البحث.
٩ - إنّ كتاب "إعلام الموقّعين" من أنفس ما أفاض به علم ابن القيّم - رحمه الله -، فقد اشتمل على أصول الشّريعة وحِكَمِها، وكشف عن أسرارها ومحاسنها، وزخر بغرر القواعد ومسائلها، فكان حريّاً بالدّراسة واستخراج تلك القواعد منه.
***
17
خطة البحث:
وضعت للبحث خطة على النحو التالي: مقدمة؛ قسمان؛ خاتمة.
أما المقدمة فتحدثت فيها عن أهمية الموضوع، وسبب اختياري له، ورسمت خطة البحث، وبيّنت المنهج المتبع فيه.
القسم الأول: قسم الدراسة.
خصصته لدراسة حياة ابن القيم، وكتابه "إعلام الموقعين"؛ ودراسة القواعد الفقهية، ومنهج ابن القيم - رحمه الله - فيها.
ويحتوي على بابين:
الباب الأول: حياة ابن القيم، وكتابه "إعلام الموقعين".
وفيه فصلان:
١ - الفصل الأول: حياة ابن قيم الجوزية. وفيه مبحثان:
أ - المبحث الأول: حياة الإمام ابن القيم الذاتية.
(اسمه ونسبته، ولادته ونشأته، أخلاقه، عبادته وزهده، محنته، وفاته).
ب - المبحث الثاني: حياته العلمية.
(طلبه للعلم ورحلاته، شيوخه، مكانته العلمية وثناء العلماء عليه، أعماله، تلامذته، آثاره).
18
٢- الفصل الثاني: دراسة كتاب "إعلام الموقعين"، وفيه سبعة مباحث:
أ - المبحث الأول: ضبط اسم الكتاب، ونسبته إلى الإمام ابن القيم - رحمه الله -.
ب - المبحث الثاني: موضوعه.
جـ - المبحث الثالث: منهج ابن القيم في الكتاب.
د - المبحث الرابع: مصادر الكتاب.
هـ - المبحث الخامس: أهميته وقيمته العلمية.
و - المبحث السادس: المآخذ عليه.
ز - المبحث السابع: وصف النسخة المعتمدة في البحث.
الباب الثاني: دراسة القواعد الفقهية، ومنهج ابن القيم فيها، وفيه فصلان:
١- الفصل الأول: دراسة القواعد الفقهية: وفيه ستة مباحث:
أ - المبحث الأول: تعريف القواعد لغة واصطلاحاً.
ب - المبحث الثاني: الفرق بين القاعدة والضابط.
جـ - المبحث الثالث: الفرق بين القاعدة والأصل.
د - المبحث الرابع: لمحة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية.
هـ ـ المبحث الخامس: أهمية القواعد الفقهية.
و - المبحث السادس: أقسام القواعد الفقهية.
19
٢ - الفصل الثاني: منهج الإمام ابن القيم - رحمه الله - في القواعد.
في هذا الفصل أبرزت المنهج الذي سلكه الإمام ابن القيم - رحمه الله - في تقعيد القواعد، وأهم المميزات التي اتصف بها، والتي أثرت في منهجه.
وحسب استقرائي فإنه ينحصر في ثلاث نقاط.
الأولى: التأصيل.
الثانية: النقد.
الثالثة: الاستدلال.
وأضفت نقطة رابعة وهي: الصياغة، أبرزت فيها أهم خصائص القاعدة عند الإمام ابن القيم - قدس الله روحه -.
القسم الثاني:
وهذا القسم، يخص القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب "إعلام الموقعين" ودراستها. وسأبين المنهج المتبع في ذلك.
الخاتمة: وفيها أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث، وتقديم اقتراحات متعلقة بالموضوع.
20