Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Edition
الثانية
Publication Year
1398 AH
Your recent searches will show up here
Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraالشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Edition
الثانية
Publication Year
1398 AH
٤٤ - قد رأينا في عصر الصحابة أنهم كانوا يسيرون على منهاجين : (أحدهما) يكثر فيه الرأي، وتقل الرواية، ويرجع إليها إن وجدت بعد الرأي.
(ثانيهما) يغلب عليه الرواية ولا يعدل عنها، ويؤثر ألا يفتى حيث لا رواية عن أن يتهجم على دين الله برأيه، وفي عصر التابعين اتسعت الفرجة بين المنهاجين، وسار كل منها في مدى أوسع مما سار فيه السابقون، فقد رأينا الذين يؤثرون الرواية يزيدون في الاستمساك بطريقتهم، ويرون فيها عصمة من الفتن التي ادلهمت واشتدت فإنهم لم يجدوا العصمة إلا في الأخذ بالسنة، والآخرون يرون كثرة الكذب على الرسول وأسباب ذلك الكذب، ثم يرون بسبب الأحداث التي تجد ضرورة الحكم، ثم تغزوهم أفكار جديدة بالاحتكاك بالأمم التي فتح الإسلام بلادها، ثم كانت كثرة التابعين من الموالي، وهم من ورثة الحاملين لتلك المدنية القديمة، لذلك اتسعت المسافة بين الطريقين، ولم يعودوا قريبتين وقد كانت من قبل كذلك، حتى كان يعسر التمييز بينهما، وأساس الاختلاف ليس في الاحتجاج بالسنة، بل في أمرين في الأخذ بالرأي، وفي تفريع المسائل تحت سلطانه، فقد كان أهل الأثر لا يأخذون بالرأي إلا اضطراراً، كما يضطر المسلم إلى أكل لحم الخنزير، ولا يفرعون المسائل فلا يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تقع، بل لا يفتون إلا فيما يقع من الوقائع، ولا يعدون المسائل الواقعة إلى النظر في أمور مفروضة، أما أهل الرأي فيكثرون من الإفتاء بالرأي ما دام لم يصبح لديهم حديث في الموضوع الذي يجتهدون فيه، ولا يكتفون في دراستهم باستخراج أحكام المسائل الواقعة، بل يفرضون مسائل غير واقعة، ويضعون لها أحكاماً بآرائهم، وكان أكثر أهل الحديث بالحجاز، وإن كان فيه فقه رأي ليس بقليل، لأنه موطن الصحابة الأول ومكان الوحي، ولأن بعض التابعين الذين أقاموا به تخرجوا على صحابة لم يكثروا من الرأي، ومن كان منهم تلميذاً لصحابي أكثر من الرأي اكتفى برواية آرائه، وأكثر أهل الرأي كانوا بالعراق، لأنهم تخرجوا
71