75

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

يتهيبون الرأي ولا يتهيبون الرواية عن الرسول، ولا يأخذون بالرأي إلا مضطرين إذا لم يعرفوا حديثاً، وأما أهل الرأي فيتهيبون التحدث ولا يتهيبون الإفتاء متحملين تبعاته، ويرجعون عنه إن صح عندهم بعد الإفتاء حديث، وقد تضافرت بذلك الأخبار.

وقد ترتب على ذلك أن أهل الرأي يرفضون الأخذ بالأحاديث الضعيفة، أما أهل الحديث فقد قبل بعضهم الأخذ بها إذا لم يقم دليل وضعها، وكان الإمام مالك، وهو إمام أهل المدينة في ذلك العصر يأخذ بالمنقطع والمرسل، والموقوف، وعمل أهل المدينة (١) ، جاء في كتاب أعلام

(١) يجب أن نقرر هنا أن مالكا وفقهاء الحجاز قد كانوا يكثرون من الرأي وإن لم يكونوا فيه كأهل العراق، وكانوا كما يقرر الشاطبي وغيره، يردون بعض الأحاديث لمعارضتها للقرآن أو لحديث آخر، أو لأصل كلي علم من تتبع أحكام الشريعة، ولقد عقد لذلك الشاطبي في الموافقات فصلا فيما ذكر فيه أن عائشة وابن عباس وعمر بن الخطاب ردوا أحاديث لمخالفتها لبعض الأصول الإسلامية كقاعدة رفع الحرج، وكانت تلك المخالفة سببا في تكذيب نسبتها إلى الرسول عندهم. وذكر أن مالكا اعتمد ذلك الأصل، وهو رد الحديث إذا خالف القرآن أو القطعي، أو الأصل العام، ثم قال: (ألا ترى إلى قوله (أي قول مالك) في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا جاء الحديث ولا يدري ما حقيقته وكان يضعه ويقول: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه.، وإلى هذا المعنى أيضا يرجع قوله في حديث خيار المجلس، حيث قال بعد ذكره. وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه، إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط أحد الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطا بالشرع، فقد رجع إلى أصل إجماعي، وأيضا فإن قاعدة الغرر والجهالة قطعية وهي تعارض هذا الحديث الظني... ومن ذلك أن مالكا أهمل اعتبار حديث (من مات وعليه صوم صام عنه ولده). وقوله: (أرأيت لو كان على أبيك دين... الحديث لمنافاته للأصل القرآني الكلي المقرر في نحو قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، وأنكر مالك حديث أكفاء القدر التي طبخت من الإبل والغنم قبل القسمة (أي قسمة الغنائم في الحرب) تعويلا على أصل رفع الحرج الذي يعبر عنه بالمصالح المرسلة: فأجاز أكل الطعام قبل القسمة لمن احتاج إليه. قاله ابن العربي ونهى عن صيام ست من شوال مع ثبوت الحديث فيها تعويلا على سد الذرائع، ولم يعتبر في الرضاع خمسا ولا عشرا مما للأصل القرآني في قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وفي مذهبه من هذا كثير، فمالك كما ترى يرد الأحاديث لمخالفتها=

75