81

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

وقد كان أبو حنيفة وأصحابه يأخذون بالقياس والاستحسان والعرف، ومالك يأخذ بالاستحسان والمصالح المرسلة والعرف، ولقد اشتهر الأخذ بالمصالح المرسلة في ذلك المذهب، ولذلك كانت فيه مرونة وقابلية لكل ما يجد في شئون الناس في العصور المختلفة، مع أنه مذهب لم يكثر من القياس، كأبي حنيفة، وكذلك الاستحسان قد اتسع له المذهب المالكي، حتى لقد قال فيه مالك: إنه تسعة أعشار العلم، ولكن ذلك كله إذا لم يكن، نص، ولا فتوى صحابي ولا عمل لأهل المدينة.

جاء الشافعي فوجد ذلك الاستدلال المرسل للأحكام من غير نص يعتمد عليه، فلم يأخذ بذلك الاتجاه غير المقيد في استنباط الأحكام، ورأى أنه لا رأي في الشريعة إلا إذا كان أساسه القياس، بأن يلحق الأمر غير المنصوص على حكمه بالأمر الآخر المنصوص على حكمه، والرأي في هذه الحال حمل على النص، وليس بدعاً في الشرع، أما الاستدلال المطلق

= بها أقوى، وبذلك يتفق التعريف مع قول ابن العربي في أحكام القرآن: (إن الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين) وتعريف المالكية هذا (فيه نظر) يتقارب مع تعريف الحنفية، ولقد قال الشاطبي في الموافقات: (إن مقتضى الاستحسان الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشبيهه. وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المعروضة، كالمسائل التي يقتضي فيها القياس أمراً إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوات مصلحة من جهة أخرى، أو جلب مفسدة لذلك).

والمصالح المرسلة هي المصالح التي يتلقاها العقل بالقبول، ولا يشهد أصل خاص من الشريعة بإلغائها أو اعتبارها. فما يشهد له الشارع بالإلغاء مرفوض بالاتفاق، وما يشهد له بالاعتبار يكون من الأوصاف المناسبة المقبولة بالاتفاق، ويدخل في باب القياس.

والاستحسان والمصالح المرسلة متقاربان في المعنى في نظر المالكية، ألا ترى أنهم يعرفونه بأنه الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي، فالاستحسان في جملته، معناه عند المالكية ليتقارب مع المصالح المرسلة، وبينهما فرق دقيق، ولعل النص الذي روي عن مالك بأن الاستحسان تسعة أعشار العلم المراد به ما يشمل المصالح المرسلة. ولهذا نحن نعدهما شيئين متغايرين تمام التغاير على النظر الحنفي الذي يقبل أحدهما ويرد الآخر، أما في نظر المالكية فهما متقاربان فيه؛ وسنبين الفرق في موضعه إن شاء الله تعالى.

81