ففي هذا الضرب يكون التطابق واقعا بين نصوص القواعد ونصوص الشرع من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، فاللفظ كما نلاحظ مختلف. وهذا الاختلاف لا يؤثر في الغالب في المعاني والدلالات. وهذا من شأنه كذلك أن يقوي القاعدة ويدعمها، وذلك لاستنادها إلى قوة المعنى للنص الشرعي. غير أن ميزة الضرب الأول وجود التطابق في الألفاظ بين القواعد والنصوص، وهو ما يجعل ترديد هذه الألفاظ والنطق بها له فوائده ومنافعه، ولعل من أهمها: حصول بركة ترديد الآيات والأحاديث وجلب الأثر والثواب، وتحصيل آثار ذلك في حسن الامتثال والاستقامة، وزيادة الارتباط بالكتاب والسنة، والعون على زيادة حفظ القرآن والأحاديث وما في ذلك من الخير والسعادة، وتحقيق أقدار عالية من الإقناع والتأثير على صعيد الإفتاء والاجتهاد والتكليف والتعبد والتدين.
النوع الثاني: القواعد الفقهية المستنبطة:
وهي القواعد التي صاغها العلماء ودونوها من خلال نظرهم في النصوص الشرعية واستقرائهم وتتبعهم للفروع الفقهية. وهي كثيرة جدا. وقد أوردها العلماء بصيغ وألفاظ مختلفة ومتنوعة ومتفاوتة، من حيث الاختصار والتطويل، ومن حيث التقرير والاستفهام، ومن حيث الإطلاق والتقييد، وغير ذلك.
ومثال ذلك: قاعدة (الثلث حدّ في الشريعة بين القليل والكثير)(١) أو (الثلث حدُّ بين القليل والكثير عند مالك)(٢).
فمن صاغ هذه القاعدة نظر في عدة نصوص شرعية وتتبع العديد من الفروع الفقهية التي توافقت على جعل الثلث مقدارا مُلْتَفَتا إليه ومُعَوَّلاً عليه في كثير من المناسبات والمقامات، وجعله حدًّا فاصلا لحسم النزاع وتحديد الأمور وضبط المعاملات وتثبيت الحقوق والالتزامات.
ومن الفروع الفقهية التي تعلقت أحكامها بمقدار الثلث:
جعل الوصية في حدود الثلث(٣).
(١) المنتقى: ٧/ ٩١.
(٢) المنتقى: ٤ / ١٦٤.
(٣) الموطأ: ٧٦٣/٢، ٧٦٤.