- قول شُريح بن الحارث الكندي (ت ٧٨ هـ): ((من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه))(١).
ولا شك أن كلام هؤلاء السلف يُعد طريقا مهما لمعرفة القواعد الفقهية وتكوينها، وذلك لأن هذه القواعد التي نطقوا بها تتسم بالسمة الشرعية الإسلامية، وذلك لقوة علم هؤلاء بأحكام الإسلام، ولمعاصرتهم لعصور الإسلام الأولى، ولإحاطتهم بظروف وملابسات وأسرار نزول الرسالة وتعليمها وتبليغها وانتشارها وتحكيمها(٢).
الطريق الرابع: الإجماع:
يكون الإجماع طريقا تثبت به القاعدة الفقهية وتتقرر، وذلك لأنه طريق شرعي قوي لثبوت الشرعيات، سواء ما كان يتعلق بالأحكام والفروع الفقهية، أو ما كان يتعلق بالقواعد الأصولية والمقاصدية والفقهية(٣)، أو ما يتعلق بعموم المسائل والمعطيات الدينية الإسلامية التي يُجمع عليها العلماء والمجتهدون. وشأن الإجماع - كما هو معروف - اتفاق العلماء على أمر من الأمور في عصر من العصور بعد وفاة النبي ﷺ، وهذا ينطبق تماما على القواعد الفقهية (في كُلَِّتِها أو في معظمها أو في عدد معتبر منها)، فقد اتفق العلماء والمجتهدون عليها وتلقوها بالقبول وأسسوا بموجبها الأحكام والفروع والحلول وعملوا على فهمها وإنهامها وتدريسها، وغير ذلك مما يدل بصراحة على قبولها وعدم معارضتها
(١) صحيح البخاري مع شرح الكرماني، ط. الأولى، ١٢/ ٥٥، نقلا عن قواعد الندوي: ص ٨٢. وقواعد الباحسين: ص ١١٣.
(٢) ينظر القواعد السلفية الواردة بفصل أنواع القواعد الفقهية.
(٣) هذا اتجاه الذين توسعوا في دائرة الإجماع باعتباره مسلكا شرعيا تثبت به الأحكام وتتبين، فقد جعلوه مسلكا تثبت به الأحكام الفرعية والمسائل الجزئية (وهذا هو الاتجاه المعروف في دلالة الإجماع وموضوعاته)، كما جعلوه مسلكا تثبت به الأحكام الكلية والمسائل العامة، وممن ذهب إلى هذا ابن حزم الظاهري، فقد نص على هذا النوع من الإجماع، كما ذهب إليه غيره، لكن من غير تنصيص صريح، وإنما تحت تسميات ومصطلحات أخرى. ينظر كتابي: الدليل عند الظاهرية: الإجماع عند الظاهرية: ص ٢٨٠ وما بعدها.