Khilāf al-umma fī al-ʿibādāt wa-madhhab ahl al-Sunna waʾl-jamāʿa
خلاف الأمة في العبادات ومذهب أهل السنة والجماعة
Editor
عثمان جمعة خيرية
Publisher
دار الفاروق
Publication Year
1410 AH
Publisher Location
الطائف
ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسناً، وذلك أفضل إذا كانت مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب(١).
وقد أخرجا في الصحيحين عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: لو لا أن قومك حديثو عهدٍ بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلتُ لها باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه(٢).
وقد احتج بهذا الحديث البخاريُّ وغيره على أن الإِمام قد يترك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب، ودفعِها لنفرتها، ولهذا نصَّ الإِمام أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة.
قال القاضي: لأن أهلها إِذْ ذاك كانوا يجهرون، فيجهر بها للتأليف، وليعلمهم أنه يقرأ بها.
وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرؤونها بحالٍ، فيجهر بها ليعلمهم أنه يقرأ بها، وأن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة(٣).
(١) والأصل في ذلك: أن المفضول قد يصير فاضلاً لمصلحة راجحة، وإذا كان المحرَّم، كأكل الميتة، قد يصير واجباً للمصلحة الراجحة، ودفع الضرر، فلأن يصير المفضول فاضلاً لمصلحة راجحة: أولى .....
وأيضاً: فقد يحتاج الإنسان إلى المفضول ولا يكفيه الفاضل، كما في: قل هو الله أحد فإنها تعدل ثلث القرآن في القدر لا في الصفة؛ فإن ما في القرآن من الأمر والنهي، والقصص، والوعد والوعيد، لا يغني عنه: قل هو الله أحد وليس أجرها من جنس أجرها، وإن كان جنس أجر قل هو الله أحد أفضل. فقد يحتاج إلى المفضول حيث لا يغني الفاضل، کما يحتاج الإنسان إلى رِجْله حيث لا تغني عنها عينه! انظر: مجموع الفتاوى: (٣٤٥/٢٢-٣٤٧)
(٢) انظر صحيح البخاري كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُرَ فَهْمُ بعض الناس فيقعوا في أشدَّ منه: (٤٢٤/١)، وكتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها: (٤٣٨/٣-٤٤٠)، وصحيح مسلم كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها؛ (٢/٩٦٨-٩٧٣).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (٢٢٥/١): ويستفاد من الحديث: ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه: ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإِمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً. (٣) قال في مجموع الفتاوى: (٣٤٤/٢٢): ونص قوم على أنه - الإِمام أحمد - كان يجهر بها إذا صلى بالمدينة، فظن القاضي أن ذلك لأن أهل المدينة شيعة يجهرون بها وينكرون على من لم يجهر بها؛ لأن القاضي لما حج كان قد ظهر بها التشيع، واستولى عليها وعلى أهل مكة: العبيديون المصريون، وقطعوا الحج من العراق مدة، وإنما حجَّ القاضي من الشام.
والصواب: أن أحمد لم يأمر بالجهر لذلك، بل لأن أهل المدينة على عهده كانوا لا يقرؤونها سراً ولا جهراً، كما هو مذهب مالك، فأراد أن يجهر بها كما جهر بها مَنْ جهر من الصحابة تعليماً للسنة، وأنه يستحب قراءتها في الجملة ..
53