57

Kitāb al-Ziyāra min ajwibat Shaykh al-Islām Ibn Taymiyya

كتاب الزيارة من أجوبة شيخ الإسلام ابن تيمية

Editor

سيف الدين الكاتب

Publisher

دار مكتبة الحياة الطباعة والنشر

[الرباط في سبيل الله أفضل من المجاورة بالحرمين]

ولهذا قال العلماء: إن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين؛ لأن المرابطة من جنس الجهاد، والمجاورة من جنس الحج. وجنس الجهاد أفضل باتفاق المسلمين من جنس الحج، كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٢٦). الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ، وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (١٢٧)، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٢٨). فهذا هو الأصل في تعظيم هذه الأمكنة.

[الأرض لا تقدس أحداً]

ثم من هذه الأمكنة ما سكنه بعد ذلك الكفار وأهل البدع والفجور. ومنها ما خرب وصار ثغراً غير هذه الأمكنة. والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها. فقد تكون البقعة دار كفر إذا كان أهلها كفاراً، ثم تصير دار إسلام إذا أسلم أهلها، كما كانت مكة - شرفها الله - في أول الأمر دار كفر وحرب، وقال الله

(١٢٦) أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج) إلى قوله تعالى (والله لا يهدي القوم الظالمين) (الدر المنثور / ٢١٨/٣).

(١٢٧) قال الراغب: يعبّر بالإقامة عن الدوام نحو (نعيم مقيم .. )

(١٢٨) التوبة / ١٩ - ٢٢.

57