والمجادلة والمخاصمة معهم لم يقع إلا في المدني، أما ذكر اليهود والنصارى فقد جاء في القرآن المكي، كذلك ذكر المنافقين كان بالمدينة قطعًا؛ لأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة، وكذلك الفتاوى في المسائل كان في المدينة بعد أن تشكل المجتمع الإسلامي، وصار الأمر والنهي راجعًا إلى الرسول ﷺ، وكذلك الحديث عن غزوات النبي ﷺ مدنية؛ لأن غزواته كانت بالمدينة.
وهذه الموضوعات علامات أو أمارات للتمييز بين المكي والمدني.
قوله: (وحيث ما ورد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، وأما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد وقع في المكي والمدني).
هذا القول يدخل في باب الضوابط؛ أي: «ضوابط المكي والمدني»، وهذا الضابط أغلبي؛ لأنه ورد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] في سورة النساء، وهي مدنية.
وأغلب مسائل المكي والمدني من علوم القرآن وليست من علوم التفسير؛ لأنه ليس لها أثر في المعنى، فمثلًا إذا عرفت أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] «نزلت في جوف الكعبة» فإن هذا ليس له أثر في المعنى.
وهناك مسائل جزئية منه لها أثر في التفسير، خاصة ما يتعلق بالترجيح بين الأقوال، كما هو الحال في خلافهم في المراد بالشاهد في قوله تعالى: ﴿... وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] هل هو موسى ﵇ بناءً على أن السورة مكية، أو عبد الله بن سلام ﵁؟