Tārīkh al-ʿArab wa-ḥaḍāratihim fī al-Andalus
تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس
Publisher
دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت
Edition
الأولى
Publication Year
٢٠٠٠ م
Publisher Location
لبنان
أن يكيف نفسه للظروف، ويسترضي قادة القبائل، وبشكل خاص اليمنيين، فعين زعيمهم أبا الصباح اليحصبي حاكمًا على مدينة إشبيلية. ولكن عبد الرحمن كان يخطط للتخلص نهائيًا من نفوذ هؤلاء الزعماء، ولا يمكن أن يتم هذا الأمر إلا بخلق قوة جديدة في البلاد، تحل محل قوة رجال القبائل العرب. وبالفعل، فقد اتجه عبد الرحمن إلى تشجيع البربر على الانخراط في جيشه، ودعا الكثير منهم من شمال أفريقيا، وعاملهم بكرم زائد. وقد شجع هذا الموقف الذي اتخذه عبد الرحمن من البربر، المزيد من إخوانهم الآخرين للعبور إلى الأندلس والخدمة كقوة أساسية في جيشه. كما اشترى بالإضافة إلى هؤلاء الكثير من العبيد، حتى يقال أن عدد جيشه من هذين العنصرين بلغ نحو أربعين ألف رجل. وربما كان في هذا الرقم نوع من المبالغة، لكنه يشير دون شك إلى ازدياد اعتماد النظام الجديد على هذه القوة الفتية (٦).
وكان من جملة المماليك الذين اشتراهم عبد الرحمن، سودانيون، وقد وضع لهم الأمير عرافة خاصة بهم تسمى بعرافة السود (٧). وهكذا تعددت الأصول التي يتألف منها جيش الأندلس، ولم يعد الأمير يعتمد على العنصر العربي فقط. ومع هذا، فقد ظل الجند العربي في الأندلس قوة أساسية، وكان يتألف من فئتين رئيستين: الشاميين والبلديين، ولكل منهما نظام دقيق في العطاء ذكره لنا المؤرخ ابن الخطيب في كتابه " الإحاطة في أخبار غرناطة "، بتفصيل مفيد (٨). وقد حاول عبد الرحمن أن يستفيد من هذا الجند، إضافة إلى ما استحدثه من عناصر أخرى، فثبت من بقي على ولائه له. لكنه ألغى ديوان من ثاروا عليه، وأسقط لواء جندهم، كما فعل بجند باجة الذي ثار عليه بقيادة العلاء بن مغيث، فقاتله عبد الرحمن وهزمه، ثم أسقط الجند كله من الديوان، وحمل هو لواءه (٩). أما تنظيم فرق الجيش في عهد عبد الرحمن، فكان بسيطًا يتألف من فرقتين، هما فرقة الفرسان، وفرقة الرجالة (١٠).
ولقد سار الأمير الحكم بن هشام، على خطى جده في تثبيت النظام والاستقرار، والاستكثار من الجند والمماليك. فيشير بعض المؤرخين إلى الحكم على أنه أول من جند
(٦) أخبار مجموعة، ص ١٠٨، فتح الأندلس، ص ٦٦ - ٦٧؛ المقري: ٣/ ٣٦ - ٣٧.
(٧) أخبار مجموعة، ص ١٠٩.
(٨) الإحاطة: ١/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٩) الحميري، ص ٣٦.
(١٠) أخبار مجموعة، ص ١٠٩؛ وقارن أحمد بدر، المرجع السابق، ص ١٠٤ - ١٠٥.
1 / 109