الآيتين قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم دلّ ذلك على أن من حُكْمِ المعية أنه عليم بكل شيء، ولما كان السّياق يدل على أن المقصود الإعانة والنصر دلّ على أن من حُكْمِ المعية النصر والمعونة.
فقول القائل: أنا معك معناه: إني مصاحبك ومقارنك وإذا كان كذلك اقتضى أني أعلم حالك، وقد يقتضي: إذاً أعينك وأنصرك على أعدائك.
[٦٠ش/ ب]
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة/ في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا)(١)، وهذا وأمثاله بيّن أن لفظ المعية في القرآن ليس فيه هذا التأويل المتنازع فيه، وهو صرف اللفظ عن احتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فإن هذا إنما يكون إذا كان ظاهر قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] يقتضي أن يكون الله ممتزجاً بنا، حالاً في أجوافنا، أو أن يكون إلى جوانبنا، وليس هذا مدلول لفظ المعية أصلاً، فبطل ما قال.
الجواب الثاني: معنى الآية يدل على نقيض قول الجهمية.
بل يقال: الجواب الثاني (٢) وهو أن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] يدلّ على نقيض قول الجهمية، فإنه ذكر نفسه وذكر أنه معهم، ولفظ الخطاب إذا قيل: هم وأنتم ومعكم ونحو ذلك يتناول ما يتناوله الاسم الظاهر، واسمهم يتناول جميع ذاتهم وصفاتهم، فأبعاضهم وذلك ممتنع أن يكون في أحدهم شيء من غيره، فإذا كان هو معهم دلّ ذلك على أنه منفصل عنهم، بائن منهم، خارج عنهم، كما في نظائره، بل قوله:
(١) أخرجه مسلم في الصحيح (١٣٤٢).
(٢) تقدم الجواب الأول (ص٧٢).