فإنا نقول وتحتمل الطلاق وهو حكم شرعي فيكون أولى بالاعتبار، لأن الذي لا يترتب عليه شيء يعتبر لغواً ضائعاً وإعمال الكلام أولى من إلغائه وإهماله، وكذا الكتابة فإن العاقل مؤاخذ بما يكتب كما هو مؤاخذ بما يتكلم، وفي قاعدة التأسيس أولى من التوكيد والمتفرعة على هذه القاعدة وقعت مسألة فيها من فروع هذه القاعدة وهي: رجل كتب لرجل صكاً أقر له فيه بمقدار من المال ثم كتب له صكاً آخر بعد مدة لزمه المالان، ولا يقبل قوله بعد ذلك أردت بكتابة الصك الثاني تأكيداً للأول. لأن التأسيس أولى من التوكيد. وسيأتي بحث هذه المسألة(٢٩١) ففي هذه المسألة نرى أن الصك كتاب، وليس كلاماً ومع ذلك فقد دخل في القاعدة.
ولذلك فإن العلماء اعتبروا الكتابة غير المفهمة شيئاً من المعاني كالهمس بالفم بما لا يتبين وهذا هو اللغو، فإذا كانت مفهمةً عمل بها ولا تهمل بحال(١٩٢) والله أعلم.
والكتابة تحل محل الكلام في كثير من الأحكام غير الطلاق أو الظهار فتحل الكتابة في الوكالة محل الكلام.
فإذا كتب شخص لآخر في بلدٍ بعيد عنه توكيلاً بسحب أوراقه ومستنداته صحت الوكالة وحلت الكتابة محل العبارة وقد أخذت الكتابة نصيباً كبيراً من المعاملات وبخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه المؤسسات، والشركات المنتشرة في البلاد البعيدة، هذه المؤسسات والشركات لا تستغني عن الكتابة وإحلالها محل الكلام فعزلُ العمّال وتوزيع عملهم، وبيان خصمهم، ورواتبهم، والإذن لهم في عمل دون عمل كل هذا يصح بالكتابة فلو أهملنا أمر الكتابة ولم نعتبرها لوقع الناس في حرج ومشقة في معاملاتهم. فكان إعمال الكتابة أولى من إهمالها ولذلك جاءت القاعدة لتحض على أن ((الكتاب كالخطاب))(١٩٣).
هذا إذا كانت الكتابة في البعد، أما الكتابة بحضور الكاتب فكالوصف بحضور العين فلا تعتبر لأنها جوزت للضرورة، "والضرورة تقدر بقدرها».
أما إذا كان الشخص قد ثقُل لسانه وطواه الخرس فلم يتمكن من إجادة الإشارة ولم يتعلمها لكنه يحسن الكتابة ففي هذه الضرورة تقوم كتابته مقام عبارته حتى لا يقع في الضيق والحرج.
(١٩١) شرح المجلد لعلى حيدر ٥٣/١.
(١٩٢) باختصار من المغني وبتصرف في العبارة ج : ٢٣٩\٧ و \٢٤٠.
(١٩٣) اشياء السيوطي /٨ وابن نجيم / ٣٣٩ والمجلد/ ٦٩