ودليل الفريق الأول هو أن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق فإذا أتى فيها بالطلاق وفهم منها ونواه وقع كاللفظ. لأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب بدلالة أن النبي ﷺ كان مأموراً بتبليغ رسالته فحصل ذلك في حق البعض بالقول وفي آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف. ولأن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون والحقوق فأما إن كتب ذلك من غير نية ففيها قولان: الأول يقع وهو قول الزهري(١٨٧) والنخعي والحكم(١٨٨)، ورواية عن أحمد. والثاني لا يقع، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة ومالك لأن الكتابة محتملة فإنه يقصد بها تجربة القلم، وتجويد الخط وغم الأهل. فلم يقع من غير نية ككتابات الطلاق فإن نوى بذلك تجويد خطه وتجربة قلمه لا يقع لأنه لو نوى باللفظ غير الإيقاع لم يقع في الكتابة أولى، فإذا ادعى ذلك دين فيما بينه وبين الله. ويقبل في الحكم في أصح الوجهين.
وإن قال نويت غم أهلي، فقيل إنه يقع وإن قال أردت أن أغم أهلي لأنه قد عمل في ذلك عملاً، والرسول ﷺ يقول: ((إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به)»(١٨٩).
فظاهر هذا أنه أوقع الطلاق، وقيل لا يقع لأنه أراد غمّ أهله. بتوهم الكلام دون حقيقته فلا يكون ناوياً للطلاق والخبر خاص فيمن نوى الطلاق(١٩٠).
لكن القياس على القاعدة. وعلى قول من يقول إن الكتابة من نوع الكلام يجب أن يقع الطلاق صوناً لعبارة العاقل وكلامه عن الإلغاء.
وإما على رأي من يقول إن الكتابة ليست كلاماً إلا أن الكتابة تأخذ حكم الكلام فينبغي أن تؤثر القاعدة الكلية في الكتابة. ولذلك لا تلغى عبارة المكلف ما أمكن أعمالها، وهنا يمكن إعمالها فإنه طلاقٌ ظاهرٌ بالكتابة أما قولهم الكتابة تحتمل تجويد الخط وتجربة القلم
(١٨٧) الزهري، هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري من بني زهرة بن كلاب من قريش أبو بكر أول من دون الحديث. كان يحفظ ألفي ومائة حديث نصفها مسند توفي سنة ١٢٤ هـ الأعلام للزركلي ج:٣٠١٧/٧ الطبعة الثالثة، وتقريب التهذيب ٢٠٧/٢ طبعة ثانية.
(١٨٨) الحكم، هو الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاري صحابي وله رواية في البخاري، وغيره صحب النبي إلى أن مات وانتقل إلى البصرة كان صالحاً وفاضلًا توفي سنة ٥٠ التهذيب: ٤٣٦/٢ والأعلام/٢١٧.
(١٨٩) الحديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ج ٦ باب/ ١٠ ص ١:٦٩. ورواه ابن ماجه في سننه بلفظ (عما وسوسن)) كتاب الطلاق ١٦/١٠ رقم الحديث/٢٠٤٤.
(١٩٠) باختصار من المغني لابن قدامة:٢٣٩/٧ و/٢٤٠.