ثم نقلت الحقيقة من هذين المعنيين الثابت، أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع، والعلاقة ثبوته أو تقريره. لأن اعتقاد الشيء هو كونه ثابتاً وحقاً، ثم نقلت عنه إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، لأن الحقيقة بمعنى الثابت، أو المثبت وصف فينبغي أن تكون مجردة عن تاء التأنيث. لأن فعيلاً إذا كان بمعنى مفعول فقياسته أن يستوي فيه المذكر والمؤنث تقول رجل جريح، وامرأة جريح، ورجل قتيل وامرأة قتيل.
والجواب: أن الحقيقة وإن كانت صفة في الأصل، إلا أن الاسمية غلبت عليها وتركت وصفيتها ألا ترى أنك تقول كلمة حقيقية، ولفظة حقيقة فإنما جيء بالتاء لذلك، وفعيل إنما يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا كان باقياً على وصفيته مستعملاً مع موصوفه استغناء بتأنيث الموصوف عن تأنيثه فقولنا امرأة جريح مثلاً فحيث كان فعيل هنا باقياً على الوصفية استغنى بتأنيث موصوفه وهو امرأة، عن تأنيثه، لكن إذا غلبت عليه الاسمية فقياسه دخول التاء فيه إذا قصدت فيه المؤنث تقول امرأة أكيلة ونعجة نطيحة، ولا تقول أكيل ولا نطيح(١٢).
تعريف الحقيقة في الاصطلاح
لقد خاض كثير من علماء البيان، والأصول في تعريف الحقيقة وأتوا بأمور غير شافية في بيان حقيقتها وماهيتها.
فقد عرفها أبو الحسين البصري(١٣)، بقوله: ما أفاد معنى مصطلحاً عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب(١٤).
أما الآمدي(١٥) فقد ذكر أنواع الحقيقة الثلاثة وعرف كلا منها على حدة ثم أتى بتعريف جامع مانع.
(١٢) الإيهاج بشرح المنهاج بتصرف ج ٢٧١/١.
(١٣) هو محمد بن علي الطيب الطبري، البصري كنيته أبو الحسين، معتزلي العقيدة شافعي، أصولي متكلم من أشهر مؤلفاته المعتمد في أصول الفقه. ولد بالبصرة وتوفي ببغداد سنة ٤٣٦ (ست وثلاثون وأربعمائة)، الفتح المبين ج ٢٣٧/١.
(١٤) كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري ١٦/١، دمشق.
(١٥) هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي الفقيه الأصولي الملقب بسيف الدين المكنى بأبي الحسن ولد سنة ٥٥١ هـ بآمد، من أشهر مؤلفاته الأحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السول، توفي سنة ٦٣١، انظر ترجمته في الفتح المبين في طبقات الأصوليين ٥٧/٢ طبعة ثانية.