المبحث الثالث
مفهوم الكليات وأثرها في التقعيد
يقرب مفهوم ((الكلية)) من مفهوم ((الأصل))(١) إذ يصلح كل منهما أن يكون عبارة عن قاعدة أو ضابط، فيمكن أن تكون الكليات في الفقه قواعد إذا اشتملت على فروع من أبواب، وإذا دارت المسائل المنطوية تحتها على باب واحد فهي ضوابط.
ومن المألوف المعهود أن الكلام الذي استهل بكلمة ((كل)) في الفقه انسحب عليه مفهوم ((الكلية)) غالباً، سواء أكان من قبيل القواعد أم الضوابط.
ونشأ استعمال الكليات في سائر العلوم بالنظر إلى وضعها اللغوي في دلالتها على الشمول باعتبار كلمة ((كل)) صيغة من صيغ العموم، فلا يرجع ذلك في الأصل إلى اصطلاح المناطقة، وإن كان للذوق المنطقي لدى الفقهاء أثر في شيوع هذا التعبير.
ويبدو أن العبارات التي تشكل كليات بسبب ابتدائها بـ ((كل)) صيغت أصالة على هذه الشاكلة بقصد الضبط والربط بين المسائل المتقاربة المتجهة إلى منزع فقهي مشترك واحد، ثم جرت مجرى العلل والقواعد أو الضوابط.
وهناك أمثلة كثيرة من هذه الكلمات في جوامع كلم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ، ومنها الأحاديث الثلاثة الآتية:
١ - ((كل راعٍ مسؤول عن رعيته))(٢).
(١) انظر: معاني ((الأصل)) في كتابي ((القواعد والضوابط المستخلصة من ((التحرير))، للحصيري»: ص ١٠٩ .
(٢) انظر: المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير: ٣٠/٥، برقم ٦٣٠٧؛ ٣٨/٥، برقم ٦٣٧٠.