104

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

الخبر حتى يستدل بعد ذلك بخبر من ثبت بالعقل صدقه، ومنها ما لا يعلمه غير الأنبياء إلا بخبر الأنبياء، وخبرهم المجرد هو دليل سمعي مثل تفاصيل ما أخبروا به من الأمور الإلهية والملائكة والعرش والجنة والنار وتفاصيل ما يؤمر به وينهى عنه، فأما نفس إثبات الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته ونحو ذلك، فهذا لا يعلم بالأدلة العقلية وإن كانت الأدلة والآيات التي يأتي بها الأنبياء هي أكمل الأدلة العقلية، لكن معرفة هذه ليست مقصورة على الخبر المجرد وإن كان أخبار الأنبياء المجردة تفيد العلم اليقيني أيضا، فيعلم بالأدلة العقلية التي أرشدوا إليها، ويعلم بمجرد خبرهم لما علم صدقهم بالأدلة والآيات والبراهين التي دلت على صدقهم.

﴿ وقد تنازع الناس في العلم بالمعاد وبحسن الأفعال وقبحها ﴾ فأكثر الناس يقولون إنه يعلم بالعقل مع السمع، والقائلون بأن العقل يعلم به الحسن والقبح أكثر من القائلين بأن المعاد يعلم بالعقل، قال أبو الخطاب: هو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، ومنهم من يقول المعاد والحسن والقبح لا يعلم إلا بمجرد الخبر وهو قول الأشعري وأصحابه ومن وافقهم من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأبي الوليد التاجي وغيرهم، وكلهم متفقون على أن من العلوم ما يعلم بالعقل والسمع الذي هو مجرد الخبر، مثل كون أفعال العباد مخلوقة لله أو غير مخلوقة، وكون رؤيته ممكنة أو ممتنعة ونحو ذلك، وكتب أصول الدين بجميع الطوائف مملوءة بالاحتجاج بالأدلة السمعية الخبرية، لكن الرازي طعن في ذلك في المطالب العالية، قال لأن الاستدلال بالسمع مشروط بأن لا يعارضه قاطع عقلي، فإذا عارضه العقلي وجب تقديمه عليه. قال: والعلم بانتفاء المعارض العقلي متعذر، وهو إنما

104