88

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

برجحان هذا على هذا ليس من يتبع إلا الظن، ولم يكن تبين له إلا بعد الاجتهاد التام فيمن أرسل ذلك الحديث، وفي تزكية هذا الشاهد فإن المرسل قد يكون روايه عدلاً حافظاً كما قد يكون هذا الشاهد عدلاً ونحن ليس معنا علم بانتفاء عدالة الراوي، لكن معنا عدم العلم بعدالتهما، وقد لا يعلم عدالتهما مع تقويتها ورجحانها في نفس الأمر، فمن هنا يقع الخطأ في الاجتهاد لكن هذا لا سبيل إلى أن يكلفه العالم أن يدع ما يعلمه إلى أمر لا يعلمه لإمكانه ثبوته في نفس الأمر، فإذا كان لا بد من ترجيح أحد القولين وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته. وإن لم يعلم انتفاؤه من جهته، فإنهما إذا تعارضا وكانا متناقضين فإن إثبات أحدهما هو نفي الآخر فهذا الدليل المعلوم قد علم أنه يثبت هذا وينفي ذلك، وذلك المجهول بالعكس فإذا كان لا بد من الترجيح وجب قطعاً ترجيح المعلوم ثبوته على ما لم يعلم ثبوته، ولكن قد يقال إنه لا يقطع بثبوته، وقد قلنا فرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد، أما اعتقاد الرجحان فهو علم والمجتهد ما عمل إلا بذلك العلم، وهو اعتقاد رجحان هذا على هذا، وأما رجحان هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد فهو الظن لكن لم يكن فمن قال الله فيه: (إن يتبعون إلا الظن) بل هنا ظن رجحان هذا وظن رجحان ذاك، وهذا الظن هو الراجح، ورجحانه معلوم فكم بما علمه من الظن الراجح ودليله الراجح، وهذا معلوم له لا مظنون عنده، وهذا يوجد في جميع العلوم والصناعات كالطب والتجارة وغير ذلك.

وأما الجواب عن قولهم الفقه من باب الظنون، فقد أجاب طائفة منهم أبو الخطاب بجواب آخر، وهو أن العلم المراد به العلم الظاهر وإن جوز أن يكون الأمر بخلافه كقوله: (فإن علمتموهن مؤمنات).

88