87

Majmūʿat al-Rasāʾil al-Kubrā li-Ibn Taymiyya

مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين، وحينئذ فما عمل إلا بالعلم وهذا جواب الحسن البصري وأبي وغيرهم، والقرآن ذم من لا يتبع إلا الظن فلم يستند ظنه إلى علم، فإن هذا أرجح من غيره كما قال: (ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن) وقال: (هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن) وهكذا في سائر المواضع يذم الذين إن يتبعون إلا الظن، فعندهم ظن مجرد لا علم معه، وهم يتبعونه والنبي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعلمون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر، وهذا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع)) فإذا أتى أحد الخصمين بحجة مثل بينة تشهد له ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم لكن الآخر قد يكون له حجة لا يعلمها أو لا يحسن أن يبينها مثل أن يكون قد قضاه أو أبرأه وله بينة تشهد بذلك، وهو لا يعلمها أو لا يذكرها أو لا يجسر أن يتكلم بذلك فيكون هو المضيع بحقه حيث لم يبين حجته، والحاكم لم يحكم إلا بعلم وعدل، وضياع حق هذا كان من معجزه وتفريطه لا من الحاكم، وهكذا أدلة الأحكام، فإذا تعارض خبران أحدهما: مسند ثابت والآخر: مرسل كان المسند الثابت أقوى من المرسل، وهذا معلوم لأن المحدث بهذا قد علم عدله وضبطه، والآخر لم يعلم عدله ولا ضبطه كشاهدين زكي أحدهما ولم يزك الآخر فهذا المزكى أرجح، وإن جاز أن يكون في نفس الأمر قول الآخر هو الحق، لكن المجتهد إنما عمل بعلم وهو علمه

87