Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih
مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره
Publisher
دار الكتاب العملي
Publication Year
1405 AH
ومشاعرها وعواطفها وحدبها على ابنها وراءه بالدعوات، وقد كان يبعث إليها بالرسائل من سجنه ليطمئنها على حاله. وقد كان ابن تيمية باراً بأمه عطوفاً عليها محسناً إليها إذ كان يعاني من مواجيد ولوعات الفراق وأهوال السجن لكنه يخفى كل هذا عن أمه حتى يخفف عنها لوعتها وشجونها.
وكان من أهم خصال ومناقب ابن تيمية رحمه الله(١) الجد والمثابرة، ورقة الإحساس ويقظة الشعور، وتفتح العقل واتساع الأفق، وحضور البديهة وقوة الحافظة، وحدة الذهن، واستقامة التفكير، وحسن الذاكرة التي تدل على ذكاء فطري حاد.
ووجود هذه الهبات والمنح الإلهية في تركيبه وتكوينه وانسجام ملكاته يسر له سرعة الفهم والاستيعاب، فكان له حظ عظيم ونصيب وافر من العمق الثقافي والعلمي والفكري، لا سيما وأنه نشأ في بيئة خصيبة من العلم والدين، فإن أباه كان عالماً تلقى عليه علم الحديث، وعلى كثير من كبار المشايخ، ثم حفظ مسند الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، وقد اتجه إلى فقهه بكل جوارحه وجعل دراسته هي كل همه، وقد كان المذهب الحنبلي هو مذهب أسرته من قديم، فلا غرو أن توفر على كل علوم هذا المذهب بكل دقائقها وخفياتها.
وكان اهتمام ابن تيمية بالصحيحين واضحاً حيث فاق كل اهتمام، فكان كثيراً ما يحتج بأحاديثهما في مناظراته وفتاواه.
وقد ابتلى المشرق العربي بغارات أجلاف التتار، حيث اجتاحوا اليابس والأخضر، وولغوا في دماء المسلمين، واستولوا على المدائن الإسلامية يعيثون فيها فساداً، حتى سقطت حاضرة الخلافة الإسلامية في أيديهم، ففر العلماء بعلمهم إلى دمشق، وكثير منهم ألقى عصاه فيها واستقر به المقام واستمرأ فيها العيش.
وانتهى التطواف بابن تيمية وأسرته في دمشق، وكانت قد جمعت طوائف شتى وفرقاً متباينة من المذاهب الدينية، وكان مع أهل الفقه ورجال الحديث.
(١) راجع ترجمة ابن تيمية في فوات الوفيات (١/٣٥ - ٤٥) والدرر الكامنة (١/١٤٤) والنجوم الزاهرة (٩/٢٧١) وتهذيب ابن عساكر (٢/٢٨) ودائرة المعارف الإسلامية (١/١٠٩).
116