94

Munāẓarāt Ibn Taymiyya maʿa fuqahāʾ ʿaṣrih

مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره

Publisher

دار الكتاب العملي

Publication Year

1405 AH

العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجن إليه(١).

إنه كبرياء العظمة، وعظمة الكبرياء والفرق بين كبرياء العباقرة والعظمة عند أولي الفضل وبين كبرياء الدهماء(٢) والرعاع أن الأولى ترفع بالذات عن الدنيا، وإظهار كرامة النفس على ذاتها بإهدار الدنايا والصلابة في الحق وعدم الخوف والتردد والخنوع(٣) أما أعتاب علية القوم تزلفا من ذواتهم وفي هذا يقول الشاعر الحصيف اللبيب المجرب:

ولو أنَّ أهلَ العِلم صانوه صانهم ولو عظّموه في النفوس لعظما

وليت علماءنا ورجال الفهم والفضل يدركون أنهم أرقى وأعظم طراز في معدن البشر فيجب أن يربأوا بأنفسهم أن يتصاغروا أمام الشهوات الدنيوية من السلطان والمال والتقرب من أولي الأمر بشتى أنواع القربات حتى لو كان ذلك مقابل التهاون في بعض المسائل الشرعية التي تقتضي منهم التوفر على حفظ حدود الله فيها وصونها من عبث المنتفعين من ثغراتها بما لم يرض عنه شرع الله وحدوده. وثمة مثل قديم رائع يقول: إن أعظم العلماء هم الذين لا يلجأون للسلطان، وأعظم السلاطين هم الذين يلجئون للعلماء.

فالعالِم عندما يلوذ بالسلطان ويضع الدنيا نصب عينيه إنما يكون قد أزرى بعلمه لأن في هذا انتقاصاً لشأنه ووتاحة لدرجته. إنما السلطان الذي يلوذ للعلماء إنما يكون قد حصن ملكه بالعلم وهو سلطان الحق سبحانه وتعالى منوط به كل سداد وسؤدد فمن عوَّل على العلم والعلماء تجنب كثيراً من الويلات، وكان بنجوة من المخاطر التي تعرض في معترك الأيام ولا ينفع فيها الرأي

(١) تاريخ ابن كثير (١٤/٤٥).
(٢) دهماء الناس: سوادهم.
(٣) الخنوع: الخضوع والذل.

94