فالعبد إذا خرج عما خلقه الله من طاعته ومعرفته ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فقد أبق من سيده، فإذا تاب إليه ورجع إليه فقد راجع ما يحبه الله منه، فيفرح الله بهذه المراجعة، ولهذا قال ﷺ يخبر عن الله: (لله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من فاقد راحلته، عليها طعامه وشرابه بعد يأسه منها، في الأرض المهلكة)(١).
وهو سبحانه هو الذي وفقه لها، وهو الذي ردّها إليه، وهذا غاية ما يكون من الفضل والإحسان/ وحقيق بمن هذا شأنه أن لا يكون شيء أحب إلى العبد منه.
[٩ق/ب]
ثم قال: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) فالله سبحانه و تعالى عهد إلى عباده عهداً أمرهم فيه ونهاهم، ووعدهم على وفائهم بعهده أن يثيبهم بأعلى المثوبات، فالعبد يسير بين قيامه بعهد الله إليه وتصديقه بوعده؛ أي: أنا مقيم على عهدك، مصدق بوعدك.
وهذا المعنى قد ذكره النبي ﷺ كقوله: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)(٢).
والفعل إيماناً: هو العهد الذي عهده إلى عباده، والاحتساب: هو رجاؤه ثواب الله له على ذلك، وهذا لا يليق إلا مع التصديق بوعده.
العهد: هو فعل الطاعة إيماناً.
والوعد: هو رجا ثواب الله.
وقوله: (إيماناً واحتساباً) منصوب على المفعول له، إنما يحمله على ذلك إيمانه، وأن الله شرع ذلك وأوجبه ورضيه وأمر به، واحتسابه ثوابه عند الله؛ أي يفعله خالصاً يرجو ثوابه.
(١) أصله في صحيح مسلم برقم (٢٦٧٥ و٢٧٤٤ - ٢٧٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، برقم (٣٨) وذكره مختصراً برقم (٣٥) وأطرافه (٣٧ و١٩٠١ و ٢٠٠٨ و٢٠٠٩ و٢٠١٤) وأخرجه مسلم (٧٦٠).