قيل له: وهكذا حال جميع النفاة، فإنهم لا بد أن يجمعوا بين النقيضين، أو يسلبوا النقيضين كالقرمطي.
فمن قال: لا هو مباين ولا محايث ولا داخل ولا خارج، كان بمنزلة من يقول: لا قائم بنفسه، ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا موجود ولا معدوم، ومن قال: إنه وجود مطلق ليس له حقيقة وراء الوجود المطلق، وقد تقرر في المنطق أن المطلق بشرط إطلاقه لا يوجد في الخارج، بل في الذهن، كالجسم المطلق، والحيوان المطلق/ فإنَّ جَعْلَ المطلق بشرط الإطلاق يُثْبِتُ في الخارج الجمعَ بين النقيضين.
[٧٠ش/أ]
وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع(١) وبيّنا أن هؤلاء أهل التأويلات المبتدعة الذين ينفون الصفات ليس لأحد منهم قانون مستقيم في التأويل، بل يتناقضون، فيقال لهم: إذا تأولتم هذا فتأولوا هذا، أو لا تتأولوا شيئاً.
فإن قالوا: ما دلّ العقل على إثباته لم نتأوله، كالإرادة بخلاف ما لم يدل على إثباته كالغضب؟ كان الجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال: عدم الدليل ليس دليلاً على العدم، فهب أنكم لم تعلموا بالعقل ثبوت صفة أخرى، فمن أين لكم نفيها بلا دليل، والسمع قد دلّ عليها.
الثاني: أن يقال: فهذا عزل للرسول عن الإخبار بصفات مرسِله؛ فإنكم لم تثبتوا إلا ما علمتم بعقولكم، وما لم تثبته عقولكم نفيتموه، فيبقى كلام الرسول عديم الفائدة في باب أسماء الله وصفاته.
الرد علي من فرق في تأويل الصفات بين ما دل عليه العقل وما لم يدل عليه من وجوه:
أحدها: عدم الدليل ليس دليلا علي العدم
الثاني : هذا يقتضي أن الوحي لا فأئده له في ـاب الأسماء والصفات.
(١) أفضل موضع بسط الكلام فيه على هذه المسألة في التدمرية، في بيان الأصل الأول (ص٣١ - ٤٣).