وقد يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إذا لم تكن الحقيقة ممكنة وذلك عند تعذرها أو هجرانها عرفاً لئلا يفضي كلام العاقل إلى الإهمال والإلغاء كما لو حلف لا يأكل من هذه النخلة فإن يمينه تنصرف إلى ما يخرج منها من ثمر إذا كانت مثمرة أو إلى ثمنها بأن يشتري به مأكولاً ونحوه، وهذا ما سأبسط القول فيه في القاعدة التالية لهذه القاعدة إن شاء الله تعالى.
المبحث الخامس: أنواع الحقيقة وأقسامها
تنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أنواع، لغوية، وعرفية، وشرعية، وكل واحدة تنقسم على نفسها إلى قسمين، فالحقيقة اللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية، والعرفية إلى عرفية عامة، وعرفية خاصة، والشرعية إلى منقولة شرعية ومنقولة دينية، والسبب في هذا التقسيم، هو الواضع، لأن الحقيقة، لا بد لها من الواضع، فإن كان واضعها واضع اللغة، فهي لغوية سواء كان وضعها باصطلاح أم توقيف كالحصان المستعمل في الحيوان الصاهل، وإن كان واضعها الشارع فهي الشرعية، كالصلاة المستعملة في العبادة المخصوصة، وإن كان واضعها غير معين فهي العرفية وسواء كان عرفاً عاماً كالدابة لذوات الأربع، أم خاصاً وهو ما لكل طائفة من الاصطلاحات التي تخصهم (٥٧).
وأيضاً فإن الحقيقة اللغوية تنقسم إلى قسمين لأن الحقيقة اللغوية إما أن تكون مستعملة فيما وضعت له بسبب واضع اللغة، بطريق الاصطلاح أو التوقيف فهي الوضعية. وأما أن تكون مستعملة فيما وضعت له لكن بعرف الاستعمال اللغوي وذلك يكون بطريقين، الأول أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة، بعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذات الأربع عرفاً وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب، وذلك إما لسرعة دببه، أو كثرة مشاهدته، أو كثرة استعماله، أو غير ذلك.
الثاني، أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى ثم يشتهر في عرف استعمالهم فيما له نوع مناسبة وملابسة، بحيث لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره كاسم الغائط، حيث كان في أصل اللغة، للمطمئن من الأرض، ثم اشتهر في عرفهم بالخارج المستقدر من الإنسان (٥٨).
وأيضاً فالحقيقة العرفية تنقسم بدورها إلى عرفية عامة، وهي التي لم يتعين واضعها وقد مرت أمثلتها قبل قليل.
(٥٧) انظر كشف الأسرار للبزدوي ٦١/١ وجمع الجوامع للسبكي ٣٠١/١ ط بابي الحلبي.
(٥٨) الأحكام للآمدي ٣٨/١ /٣٩.