وكذلك إذا أوصى بشيء من السباع، وله سباع تصلح للاصطياد وسباع لا تصلح له كالنمر، والفهد، والأسد، والذئاب صحت الوصية وَحُلّت على السباع التي تصيد، كالشاهين، والباز من الطيور والكلب من غيرها ويلحق بها ما إذا أوصى له بطبل من طبوله وله طبول حرب وطبول لهو صحت الوصية في طبول الحرب إعمالاً لكلامه فيما يجوز شرعاً.
ويلحق بها أيضاً ما لو أوصى له بجرة وله جرة فيها خمر صحت الوصية بالجرة فارغة وبطلت في الخمر(٨٢).
وألحق القاضي حسين(٨٣) بهذه الصور ما لو كان له زق خمر وزق خل فأوصى بأحدهما صح وحمل على الخل(٨٤) وهذه الصور محل اتفاق عند جمهور الفقهاء لأن قياسها مما تقدم، ولأن الحرام لا تصح وصيته، ولا هبته، ولا بيعه وهذا ظاهر، وسيأتي الكلام على ذلك في القاعدة الرابعة وهي: ((اذا تعذر إعمال الكلام يُهمل -)) ان شاء الله.
ومن فروعها اذا أقر بشيء ثم وصله بما يسقطه كأن أقر بألف مثلاً ثم قال: من ثمن خمر أو خنزير أو ثمن مبيع هلك قبل أن أقبضه ونحو ذلك فيلزمه ما أقر به ولا يقبل تفسيره بعد ذلك بأنه من ثمن خمر أو خنزير أو نحوه وذلك عند المذاهب الأربعة، الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وخالف في هذه المسألة أبو يوسف، ومحمد(٨٥) صاحبا أبي حنيفة رحمهما الله تعالى.
وحجة الجمهور أنه لما قال: له علي ألف فقد أشغل ذمته بهذا الألف وقوله من ثمن خمر، أو خنزير إبطال لما أقر به، ورجوع عن الإقرار، لأن ذمة المسلم لا تحتمل ثمن الخمر والخنزير فكان رجوعاً، وحقوق العباد لا يصح الرجوع فيها، لأن مبناها على المشاحة، بخلاف حقوق الله فإنه يصح الرجوع فيها لأن مبناها على المسامحة، فلو أقر بالزنا مثلاً ثم رجع صح رجوعه.
أما وجه قول الصاحبين هو أن المقرّ به مما لا يحتمل الوجوب في ذمة المسلم لأنه ثمن خمر أو خنزير، وذمة المسلم لا تحتمله فلا يصح إقراره أصلاً، فالجمهور عندما اعتبروا قول المقر: ثمن خمر أو خنزير رجوعاً عن الإقرار فقد أعملوا كلامه وهو أولى من إهماله.
(٨٢) المغني ج ١٥٢/٦ - / ١٥٤ وشرح المهلب ٤٠٠/١٤.
(٨٣) مرت ترجمته في ص ٢٩.
(٨٤) الأشباه للسيوطي ص ١٢٨ والمنثور في القواعد للزركشي ج ١ ص ١٨٣ ط. أولى.
(٨٥) أبو يوسف ومحمد. مرت ترجمتهما في ص ٥١.