رابعاً: المذهب الحنبلي: قال ابن قدامة(٩٠) في المغني: ((وان قال لك عليّ ألف من ثمن مبيع لم أقبضه فقال المدَّعى عليه بل لي عليك ألف، ولا شيء لك عندي فقال: أبو الخطاب(٩١) فيه وجهان.
أحدهما القول قول المقر له لأنه اعترف بالألف، وادعى عليه مبيعاً فأشبه ما إذا قال: رهنّ فقال المالك: وديعةٌ، أو له عندي ألف ولي عنده مبيع لم أقبضه، ولأن قوله من ثمن مبيع لم أقبضه كقوله من ثمن خمر أو خنزير في كونه رجوعاً عما أقر به.
والثاني المقول قول المُقِرِ قال القاضي(٩٢) هو قياس الذهب(٩٣).
من خلال هذه الأقوال جميعها نرى أن جمهور الفقهاء يعتبرون قول المقر: من ثمن خمر أو خنزير، وما يشابهه رجوعاً عما أقرّ به، ويحملونه على الهروب من حقوق العباد، اعمالً له فيما يقتضيه، وهو أولى من إهماله، والله أعلم.
ومن فروعها، لو حلف لا يأكل من هذه النخلة، أو من هذا الدقيق حنث في الأول بما يخرج منها، وبثمنها إن باعها واشترى مأكولاً، وفي الثاني بما يتخذ منه كالخبز، والفطير عند جمهور الفقهاء.
لأن أكل عين الشجرة، وعين الدقيق غير مراد بشهادة العرف والحقيقة المهجورة عرفاً كالمتعسرة فيحمل كلامه على المجاز إعمالاً له في القدر الجائز وصوناً له عن الاهمال وسيأتي بحث هذه المسألة في تفصيل أكثر عند الكلام على قاعدة ((إذا تعذرت الحقيقة يصار الى المجاز)» ان شاء الله.
(٩٠) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي الملقب بموفق الدين المكنى بأبي محمد ولد سنة ٥٤١ ولد بجماعيل بفتح الجيم وتشديد الميم قرية في جبل نابلس من أرض فلسطين ثم قدم إلى دمشق من أشهر مصنفاته، روضة الناظر وجنة المناظر في الأصول. والمغني، والشرح الكبير والكافي والمقنع في الفقه وغيرها توفي رحمه الله سنة ٦٢٠ بدمشق ودفن في سفح جبل قاسيون ((الفتح المبين المراغي ج ٥٣/٢ الطبعة الثانية.
(٩١) أبو الخطاب: هو محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني أبو الخطاب البغدادي الحنبلي أحد أئمة المذهب، وأعيانه كان فقيهاً أصولياً فرضياً، أديباً، شاعراً عدلاً ثقةً كتباً حساناً في الفقه، والأصول، والخلاف منها. (التمهيد)) في أصول الفقه، والهداية في الفقه وغيرها، انظر ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١١٦/١.
(٩٢) القاضي هو أبو يعلى وقد تقدمت ترجمته في ص ٦٤.
(٩٣) المغني لابن قدامة ج ١٩٤/٥.